Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
نظم أسعار الصرف في الدول العربية: التحديات والفرص (28/03/2016)
إتحاد المصارف العربية - إدارة الدراسات والبحوث

1. مقدمة

يعتبر سعر الصرف، كواحد من المتغيرات الاقتصادية المركزية، مؤشراً هاماً إلى مستوى صحّة البلاد الإقتصادية، ويعكس الثقة المحلية والخارجية بالعملة المحلية. كما يؤثر على العلاقات التجارية مع الدول الأخرى. وبشكل عام، فإن عملة قوية تجعل صادرات بلد ما أغلى، ووارداته أرخص. ويعتمد إستقرار وقوّة سعر الصرف لعملة بلد ما على العوامل السياسية والإقتصادية، الداخلية والخارجية.

هناك ثلاثة أنظمة لسعر الصرف حول العالم، سعر الصرف الثابت، سعر الصرف العائم، وسعر الصرف العائم المُدار. تقوم أسعار الصرف الثابت على ربط عملة البلد بعملة أجنبية أساسية (وبشكل خاص الدولار الأميركي)، أو بسلّة من العملات الصعبة (الدولار، اليورو، الين، وغيرها). وتقوم البنوك المركزية للدول التي تربط عملتها بعملات أخرى بالحفاظ على سعر الصرف عبر بيع/شراء عملتها المحلية (شراء/بيع العملة الأجنبية) في أسواق الصرف الأجنبي. في المقابل، فإن البلدان التي تعتمد سعر الصرف العائم تسمح لعملاتها بالتغيّر بحريّة عبر آليات العرض والطلب في سوق الصرف الأجنبي. أما في نظام الصرف العائم المُدار، يتدخّل البنك المركزي من وقت لآخر لتغيير إتجاه أو قيمة عملة البلد، مع إستمرار إعتماد سعر صرف عائم.

وفي منطقتنا، إعتمدت الدول العربية أنظمة سعر صرف مختلفة. وبشكل رسمي، فإن جميع عملات دول الخليج بإستثناء الكويت، هي مربوطة بالدولار الأميركي. في المقابل، قام كل من المغرب والكويت بربط عملتيهما بسلّة من العملات. أما في ما يتعلق بالدينار التونسي والدينار الجزائري، فتتحدد قيمتهما عبر نظم صرف عائم مُدار ضمن ضوابط شديدة. في حين أن الريال اليمني، والجنيه السوداني يتّبعان نظام الصرف العائم. 

في ما يلي تقرير عن تطور أسعار صرف العملات العربية خلال السنوات القليلة الماضية والعوامل التي أدت إلى تغيرها، مع بعض التوقعات حول إتجاهات تلك العملات.

2. العملات المربوطة بعملات أخرى: أمر حيوي للإستقرار

بهدف الحفاظ على سعر صرف ثابت للعملات المربوطة بعملات أجنبية، فإن البنوك المركزية ملزمة بشراء وبيع عملاتها المحلية في سوق الصرف الأجنبي في مقابل العملة (أو العملات) التي قامت بربط عملتها بها. لذلك، فبهدف وضع سعر صرف، يتوجّب على البنوك المركزية ضمان أن لديها مبالغ كافية من الإحتياطات الأجنبية لمدّ الأسواق بالمبالغ الضرورية من الدولار والعملات الأجنبية الأخرى عند الحاجة. يمكن أن تكون عملية البيع والشراء هذه مكلفة للإقتصاد في حال كان يعاني من نفاد في الإحتياطات الأجنبية. وبشكل عام، تؤمن أسعار الصرف الثابتة ثقة أكبر للمستهلكين والمستثمرين في إقتصاد ما، وتساعد على الحفاظ على معدلات تضخّم وفوائد أدنى.

1.2 عملات دول الخليج

تسجل أسعار النفط أدنى مستوياتها خلال أكثر من عقدين، حيث سجل سعر برميل نفط برنت حوالي 40 دولار خلال شهر مارس/آذار 2016، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ 100 دولار عام 2014. وتعتمد دول الخليج بشكل كبير على ثرواتها النفطية التي تمثل العمود الفقري لإستقرار ونمو إقتصاداتها، وهي واجهت مؤخراً تحديات جديّة بسبب التراجع الكبير في أسعار النفط.

ومع تراجع عائدات النفط بشكل كبير، تواجه موازنات دول الخليج عُجوزاً، وتراجع النمو الإقتصادي فيها، ما أدى إلى سعي الحكومات فيها إلى تعديل ماليتها العامة للتلائم مع الأوضاع المستجّدة. وبما أن دول الخليج تعتمد على عوائد النفط للحفاظ على النمو والإستقرار المالي، يفرض تراجع أسعار النفط تحدياً أمام الإستمرار بربط العملات في هذه الدول بالدولار الأميركي. 

وكما أشرنا أعلاه، فإن عملات الدول الخليجية هي مربوطة بالدولار الأميركي بإستثناء الدينار الكويتي المربوط بسلّة من العملات الأجنبية.تواجه دول الخليج حالياً تكهنات متواصلة حول إستمرارها بربط عملاتها بالدولار، وكذلك بإحتمال تخفيض قيمتها بسبب الأوضاع الإقتصادية والمالية الحالية. مع ذلك، يجب أخذ هذه التكهنات بحذر، حيث أن أي تخفيض لقيمة عملات دول الخليج قد يؤدي إلى معدلات تضخّم عالية، وقد تؤدي كذلك إلى فقدان الثقة في هذه العملات، ما قد يسبب نتائج سلبية على حركة التجارة والإستثمار، في الوقت الذي تزيد فيه أصلاً التدفقات الرأسمالية الخارجة، وبالتالي دفع الإقتصاد إلى أوضاع أكثر سلبية. في المقابل، في حال قامت دول الخليج بتخفيض قيمة عملاتها أو سمحت لعوامل السوق بتخفيضها، فإن عوائد النفط مقيمة بالعملة المحلية سوف تزيد ما يؤدي إلى تخفيض عجز الموازنات. إلا أن عدداً كبيراً من المحلّلين الإقتصاديين يوافقون على أن تكلفة تخفيض قيمة عملات دول الخليج تفوق المنافع الناجمة عن هذا الأمر.

أظهر الإقتصاد الأميركي إشارات تحسّن ملحوظة خلال السنة الماضية، ما أدى إلى زيادة قوّة الدولار في أسواق الصرف ورفع الفائدة على الدولار. وعلى الرغم من الحاجة إلى معدلات فائدة أدنى لدعم الإقتصاد المتراجع في دول الخليج، فإن هذه الدول (بإستثناء قطر) قد قامت برفع سعر الفائدة بسبب إضطرارها إلى تعقّب السياسة النقدية للولايات المتحدة. وبسبب سعر الصرف الثابت مع الدولار الأميركي، تتبع عملات دول الخليج مسار الدولار مقابل العملات الأخرى بشكل آلي، ما يؤدي إلى تأرجحها مقابل تلك العملات. لذلك، فعندما تتراجع قيمة الدولار مقابل اليورو مثلاً، تتراجع قيمة عملات دول الخليج أمامه كما تُظهر الرسوم البيانية من 1 إلى 6.

وقد تراجعت عائدات النفط في المملكة العربية السعودية بنسبة 51% عام 2015، ومن المتوقع أن تنخفض مجدداً بنسبة 31% عام 2016. وبسبب الاستمرار في الانفاق في المستويات السابقة، إنخفضت الاحتياطات في المملكة من 731.9 مليار دولار بنهاية عام 2014 إلى 635.1 ملياراً بنهاية عام 2015 (أي إنخفاض بنسبة 13%). هذه الأرقام هي فعلاً مُقلقة، حيث أظهر تقرير صادر عن بنك الإمارات دبي الوطني أنه إذا إعتمدت المملكة العربية السعودية بشكل وحيد على السحب من الإحتياطات الأجنبية لتمويل عجز موازنتها، فإنه يمكن لها الإستمرار بالمستوى نفسه من الإنفاق حتى عام 2019، على إفتراض إنتاج 10 مليون برميل من النفط يومياً وبسعر وسطي 50 دولار للبرميل الواحد. إلا أنه في حال كان سعر البرميل الوسطي 30 دولار، وبمستوى الإنتاج نفسه، فإن الإحتياطات الأجنبية سوف تنفد في عام 2018. وبالأخذ في الإعتبار سياسات الصرف الأجنبي المعتمدة من قبل السلطات النقدية في المملكة العربية السعودية وآثرها على الإحتياطات الأجنبية، فإن هذه السياسات تضع مزيداً من الضغوط على الإقتصاد والذي هو أصلاً بدأ يعاني في محاولة لتخفيض الإنفاق وعجز الموازنة.

أمّا بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، فهي الدولة ذات الإقتصاد الأكثر تنويعاً بين دول الخليج حيث تمثل الإيرادات غير النفطية حوالي 40% من إيرادات الموازنة. لذلك، وعلى الرغم من أن عائدات النفط قد إنخفضت بنسبة 37% عام 2015، فإن الإحتياطات الأجنبية قد تراجعت بنسبة 5% فقط. وبسبب إقتصادها المتنوّع نسبياً، قدّر صندوق النقد الدولي أن يبلغ عجز الموازنة في الإمارات 2.9% فقط. لذلك، يبدو أن الإمارات العربية المتحدة تملك آليات دفاعية قويّة تضمن أن سعر الصرف الثابت لن يتم تغييره. وتجدر الإشارة إلى أن الإمارات العربية تخطط لإعتماد تشريعات ضريبية جديدة، والغاء دعم الوقود، وأخذ خطوات ضرورية لزيادة الإيرادات وتخفيض الإنفاق العام. 

وتحوز قطر إحتياطات أجنبية كبيرة، ولكّنها إنخفضت بنسبة 22% عام 2015، مع إنخفاض إيرادات النفط بنسبة 38%. مع ذلك، فإن السلطات القطرية والمحلّلين هم على ثقة بأن الإقتصاد القطري هو محميّ بإحتياطات ضخمة تساعد على مواجهة التحديات على المدى القصير وبخاصة بالنسبة لسعر الصرف. وبحسب تقرير صادر عن وكالة ستاندرد أند بورز، فإن الإقتصاد القطري هو قوي بما فيه الكفاية للدفاع عن سعر الصرف الثابت مع الدولار الأميركي خلال السنوات الأربع القادمة، حتى لو بقيت أسعار النفط على مستواها الحالي.

اما بالنسبة للكويت، فقد توقفت عن إعتماد سعر صرف ثابت مع الدولار الأميركي منذ مايو/أيار 2007، حيث تقوم حالياً بربط عملتها بسلّة (غير مصرّح عنها) من العملات (من ضمنها الدولار الأميركي). وعلى الرغم من أن الدينار الكويتي هو غير مربوط بالدولار الأميركي بشكل وحيد، فإنه يواجه خطر إنخفاض قيمته بسبب الضغوط الإقتصادية الناجمة عن إنخفاض سعر النفط، فالكويت لم تنجح حتى اليوم في تنويع إقتصادها بشكل مماثل لدول خليجية أخرى. فالإصلاحات الاقتصادية لا تزال في مرحلة التخطيط ولم تصل إلى مرحلة التنفيذ، حيث أن حوالي 90% من الإيرادات الحكومية لا تزال تأتي من مبيعات النفط. وبسبب إنخفاض عائدات النفط بنسبة 44% عام 2015، واجهت الموازنة العامة عجزاً كبيراً. وبهدف مواجهة أسعار النفط المنخفضة، إقترحت الحكومة فرض ضريبة 15% على أرباح الشركات وإصلاحات إقتصادية واسعة، والتي سوف تؤدي إلى خفض وترشيد الإنفاق العام مع الحفاظ على نموّ القطاع الخاص. في الواقع، يتم الحديث عن التوجّه إلى خصخصة حوالي 60% من المؤسسات العامة في الكويت كجزء من الإصلاحات الإقتصادية المقترحة.

وبالنسبة للبحرين وسلطنة عمان، فهما في وضعية أخطر من الدول الخليجية الأخرى، ويعود هذا الأمر إلى تراجع إيراداتهما النفطية وإحتياطاتهما الأجنبية (والتي هي أدنى بكثير من تلك العائدة للدول الخليجية الأخرى) حيث إنخفضت إحتياطات البحرين بنسبة 35% عام 2015. لذلك فإن البحرين وسلطنة عمان (التي إنخفضت إيراداتها النفطية بنسبة 45%) تواجهان إحتمال إنخفاض قيمة عملتيهما.

في الخلاصة، من المرجّح أن لا تقوم دول الخليج بالتخلّي عن سياسة سعر الصرف الثابت، حيث يجلب ربط عملاتها بالدولار الإستقرار المالي ويؤدي إلى معدلات تضخّم منخفضة. وفي حين تدحض التوقعات المستقبلية ترجيحات تخفيض قيمة عملات دول الخليج، يوجد إحتمال أن تلحق دول الخليج بالكويت في ربط عملاتها بسلّة من العملات (بما فيها الدولار). وسوف يخفّض هذا الأمر تأثير إنخفاض أو إرتفاع قيمة عملة واحدة على العملات المحليّة الخليجية ويوزّع الخطر على مجموعة من العملات.




2.2 الأردن ولبنان

 

بين الدول العربية المستوردة للنفط، يعتمد كل من لبنان والأردن سياسة ربط العملة المحليّة بالدولار. وقد أمّنت هذه السياسة الإستقرار النقدي والمالي خلال فترات عدم الإستقرار السياسي والإقتصادي.

 

وقد إعتمد الأردن سياسة ربط الدينار بالدولار الأميركي منذ عام 1996، حيث ساعدت هذه السياسة على تخفيض معدلات التضخّم وزيادة ثقة المستثمرين بإستقرار القطاع المصرفي على الرغم من عدم الإستقرار السياسي والإقتصادي. إن سعر الصرف المربوط بالدولار، مع حيازة إحتياطات أجنبية كافية تبلغ حوالي 15 مليار دولار (دون الذهب)، والتي تغطي حوالي 7 أشهر من الواردات تؤمن حماية فعلية للإقتصاد الأردني. وللحفاظ على هذه الإحتياطات، تركّز السياسة النقدية في الأردن على الحفاظ على جاذبية الدينار الأردني. وعلى الرغم من ذلك، يواجه الأردن خطر جدّي في حال إستمرّت الأزمة في سوريا والعراق على ما هي عليه لفترة أطول، أو تردّى الوضع فيهما خلال العام الحالي، وهو ما سوف يضع المزيد من الضغوط على الصادرات والسياحة وثقة المستثمرين والإستثمار الأجنبي المباشر، وبالتالي الإحتياطات الأجنبية.

 

 رسم بياني 7: تطور سعر صرف الدينار الأردني مقابل اليورو (2010-2015)


أما بالنسبة للبنان، فإنّ لسياسة ربط الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي أثر إيجابي كبير على الإستقرار الإقتصادي والنقدي والمالي فيه، حيث أن المآزق السياسية المستمرة منذ عقد والتوترات الأمنية في المنطقة هي في أعلى مستوياتها. وتساعد تدفقات الودائع المستمرة من غير المقيمين، القطاع المصرفي على جذب مبالغ كبيرة من العملات الأجنبية، والبنك المركزي على حيازة مستويات مريحة من الإحتياطات الأجنبية بلغت 40.7 مليار دولار بنهاية العام 2015، وتغطي حوالي 14 شهراً من الواردات. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الإنخفاض الكبير في أسعار النفط وإرتفاع قيمة الدولار الأميركي مقابل العملات الأخرى وبخاصة اليورو، أدّى إلى إنخفاض قيمة واردات لبنان بنسبة 11.8% عام 2015. كما إنخفضت الصادرات بنسبة 10.9%، وهو ما أدّى إلى إنخفاض قيمة التجارة الخارجية بنسبة 12%، وبالتالي إنخفاض العجز في الميزان التجاري من 17.2 مليار دولار عام 2014 إلى 15.1 مليار عام 2015.


3.2 العراق

يواجه العراق مشكلة العجز في الموازنة العامة بسبب النزاع المسلّح والتوترات السياسية والأزمة المالية الناجمة عن إنخفاض أسعار النفط. يعتمد إقتصاد العراق بشكل كبير على عائدات النفط والتي تشكل حوالي 95% من الإيرادات الحكومية. وبنتيجة ذلك، فإن الإنخفاض في أسعار النفط أدّى إلى تراجع كبير في الإيرادات النفطية، من 84 مليار دولار عام 2014 إلى 59 ملياراً عام 2015. وبسبب ذلك، إضطر العراق إلى السحب من إحتياطاته الأجنبية ما أدّى إلى إنخفاضها من 76.1 مليار دولار عام 2013 إلى 55.8 ملياراً عام 2015.

تعتقد السلطات العراقية والمنظمات المالية الدولية أنه وعلى الرغم من الإنخفاض الكبير في الاحتياطات الأجنبية، فإن الدينار العراقي سوف يظل مربوطاً بالدولار الأميركي بهدف المحافظة على الإستقرار النقدي وثقة المستثمرين. إن عدم الإستقرار الناجم عن الحرب على الإرهاب في العراق وأسعار النفط المنخفضة قد تمّ تعويض جزء منها عبر العملة القوية والثابتة المربوطة بالدولار. وفي حين يستمر وجود سوق صرف موازية (السوق السوداء)، فإن سياسات نقدية جديدة وأكثر تحرراً لسعر الصرف قد تم إعتمادها لتقريب أسعار الصرف في السوق الموازية إلى سعر الصرف الرسمي المحدد من البنك المركزي. مع ذلك، وكما هو الحال بالنسبة للعملات الأخرى المربوطة بالدولار، فإن الدينار العراقي قد سجّل تأرجحاً منذ عام 2011 أمام اليورو، إذ إنخفضت قيمة الدينار أمام اليورو بحوالي 21%.


4.2 المغرب

الدرهم المغربي مربوط بسلّة من عملتين هما الدولار الأميركي واليورو. وعلى عكس الكويت، يُفصح البنك المركزي المغربي عن العملات في السلة ووزن كل منها في تحديد سعر الصرف. وفي عام 2015، قرّر البنك المركزي تغيير أوزان اليورو والدولار من 80-20 على التوالي إلى 60-40 على التوالي. ونشير هنا إلى أنه وبحسب تقرير صادر عن بنك الإمارات دبي الوطني فإن قيمة الدرهم المغربي قد تراجعت بنسبة 15% مقابل الدولار عام 2015، في حين تراجعت بنسبة 3% فقط أمام اليورو. وبشكل عام، يتمتع المغرب بوضع متين بالنسبة لتأرجح سعر الصرف. وبحسب صندوق النقد الدولي، يمكن أن يكون لخفض قيمة الدرهم أثر إيجابي على المصارف المغربية التي تحوز مراكز صرف أجنبي إيجابية. وتترافق الوضعية القويّة لسعر صرف الدرهم مع عجز موازنة ضئيل، وتدفقات مالية كبيرة ومستقرّة، وزيادة في الإحتياطات الأجنبية، ودين عام خارجي منخفض نسبياً. كل ذلك أدى إلى زيادة تنافسية الإقتصاد المغربي خلال السنتين الماضيتين.

3. العملات العربية غير المربوطة بعملة أو بسلّة عملات: نحو نظام سعر صرف أكثر مرونة

 1.3 الجزائر

يعتمد الإقتصاد الجزائري بشكل كبير على النفط والغاز، حيث يمثل قطاع الهايدروكربون حوالي 98% من صادرات الجزائر. وقد بلغت واردات النفط في الجزائر حوالي 34 مليار دولار عام 2015 مقابل 61 ملياراً عام 2012. إن إنخفاض الإيرادات الحكومية نتيجة لإنخفاض أسعار النفط والتي ترافقت مع إزدياد قوة الدولار الأميركي قد دفع بصانعي القرار السماح للدينار الجزائري بالإنخفاض مقابل الدولار بنسبة 47.7% منذ عام 2010 وحتى اليوم.

وقد بلغت الإحتياطات الأجنبية للجزائر بإستثناء الذهب أدنى مستوياتها عام 2015، في حين بلغت 156.6 مليار دولار عام 2010. وعلاوة على ذلك، وبما أن التجارة مع أوروبا تمثّل أكثر من 50% من تجارة الجزائر الخارجية، فإن تردي الأوضاع الإقتصادية والمالية في أوروبا، بما في ذلك تراجع قيمة اليورو، سوف تؤدّي إلى آثار سلبية على ميزان التجارة الجزائري والإحتياطات بسبب تراجع الطلب على صادرات الجزائر وتراجع أسعار النفط والغاز. وكل ذلك قد يضع المزيد من الضغوط على الدينار الجزائري.

 2.3 تونس

حتى عام 2012، إعتمدت تونس نظام سعر صرف عائم مدار. ولكنها تعتمد اليوم نظام سعر صرف أكثر مرونة ودون مسار محدّد مسبقاً أو سعر صرف مستهدف. وتؤثر السلطات النقدية التونسية على سعر الصرف دون أن تضع مساراً معيّناً أو سعر صرف مستهدف، حيث تؤدي متغيرات عديدة كوضعية ميزان المدفوعات والإحتياطات الأجنبية وتطوّرات السوق الموازية إلى تعديل سعر الصرف.

ونتيجة لإنخفاض الإحتياطات الأجنبية التونسية من 9.5 مليارات دولار عام 2010 إلى 6.9 مليارات عام 2015 (أي تراجع بنسبة 27.4%)، وإنخفاض عائدات السياحة بأكثر من النصف خلال عام 2015، سمحت السلطات التونسية للدينار التونسي بالإنخفاض، كنتيجة للعجز في الميزان التجاري وإنخفاض الإحتياطات. ويأمل البنك المركزي التونسي عبر هذه السياسة تحفيز القطاعات المصدّرة وإعادة بناء الإحتياطات. وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن الدينار التونسي كان خلال شهر أغسطس/آب 2015 مقيماً بأكثر من القيمة الحقيقية بنسبة 5-15%.

3.3 مصر

منذ إندلاع الثورة في مصر عام 2011، تراجعت إحتياطات مصر من العملة الصعبة بشكل كبير، حيث إنخفضت بنسبة 61% بين عامي 2011 و 2015. هذا التراجع الكبير في الإحتياطات نتج عن عدم الإستقرار السياسي والذي أدّى إلى إنخفاض الثقة في الجنيه المصري وإرتفاع الطلب على الدولار الأميركي. وقد إضطر البنك المركزي المصري مراراً إلى بيع الدولار لتفادي تراجع قيمة الجنيه، ما أدّى إلى تراجع حجم الإحتياطات. وفي عام 2011، وفي محاولة للحفاظ على الإحتياطات الأجنبية ومكافحة إنخفاض قيمة الجنيه، تم وضع قيود على تحويل الأموال خارج البلد. وفي عام 2012 تم تأسيس نظام مزاد للعملة لجعل العملات الأجنبية متاحة للمصارف التجارية، أي تقنين الدولار عبر مزادات أسبوعية. وفي بداية عام 2015، تم تحديد إيداع الدولار في المصارف بحد أقصى 10 آلاف دولار في اليوم أو 50 ألف في الشهر، ما أدّى إلى صعوبة فتح الإعتمادات وتسوية البضائع للمستوردين، كما تم إعطاء أفضلية الحصول على العملة الأجنبية لواردات الغذاء والوقود والأدوية. وفي يناير/كانون الثاني 2016، سهّل البنك المركزي المصري هذه الإجراءات عبر زيادة سقف الإيداع من 50 ألف دولار إلى 250 ألف دولار لمستوردي الغذاء والآلات ومكونات التصنيع والأدوية لمساعدتهم على تسوية مدفوعاتهم. كما تمّ الغاء سقف الإيداع اليومي لمجوعة المستوردين هذه بشرط أن لا يتخطو السقف الشهري. وفي فبراير/شباط 2016، رفع البنك المركزي سقف إيداعات العملة الأجنبية في المصارف إلى مليون دولار شهرياً للشركات التي تعتمد على مكونات مستوردة لإنتاج الغذاء للتصدير. وفي تطوّر جديد، إعتمد البنك المركزي المصري في 14 مارس/آذار 2016 نظام سعر صرف أكثر مرونة يعكس قوى العرض والطلب، وضخّ 200 مليون دولار بشكل مفاجئ في القطاع المصرفي. من المتوقع أن يعيد نظام سعر الصرف العائم هذا الثقة للمستثمرين ويؤمن بيئة مساعدة لزيادة النموّ الإقتصادي. إن خطوة البنك المركزي نحو إعتماد سعر صرف أكثر مرونة سوف تقلّل أو تلغي تقريباً الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق السوداء والتي زادت إلى مستويات غير مسبوقة خلال شهر مارس/آذار حين تم إعتماد النظام الجديد.

وقبل التخفيض الأخير لقيمة الجنيه، كان سعر الصرف الرسمي يساوي 7.83 جنيه للدولار، في حين كان سعر الصرف في السوق السوداء 10 جنيهات للدولار، في حين أنّ سعر الصرف الرسمي وغير الرسمي هما متساويان تقريباً اليوم. وفي حين أنّ رفع قيمة الجنيه قد تؤدي إلى زيادة التضخّم، فمن المتوقع أن يؤدي هذا الأمر إلى إعادة تنشيط الإقتصاد على المديين المتوسط والطويل.

4.3 السودان

يتّبع السودان نظام سعر صرف عائم مُدار، كان خاضعاً لمتابعة شديدة خلال السنوات القليلة الماضية بسبب التخفيض الكبير لقيمة الجنيه السوداني. وقد بلغت الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق السوداء ذروتها خلال شهر مارس/آذار 2016 حين بلغ سعر الصرف الرسمي 6 جنيهات للدولار، في حين بلغ سعر صرف السوق الموازية 12 جنيهاً للدولار. وقد أكّدت تقارير صادرة مؤخراً أن السوق الموازي قد حلّ تماماً محل السوق الرسمي بالنسبة للقطاع الخاص بسبب النقص الكبير في الإحتياطات الأجنبية لدى البنك المركزي السوداني. وبحسب صندوق النقد الدولي، فإنه وعلى الرغم من القيام بتخفيض قيمة الجنيه عامي 2012 و2013، فإن التضخّم الكبير قد أدّى إلى تآكل الإنخفاض الحقيقي في سعر الصرف.

وفي حين يتبع السودان حالياً نظام سعر صرف عائم مُدار، يعتقد صندوق النقد الدولي أن مرونة أكثر لسعر الصرف هي مطلوبة بهدف تحسين تنافسية الإقتصاد السوداني وبناء إحتياطات أجنبية وتخفيض الإختلالات الخارجية. وفي يونيو/حزيران 2015، أعلن البنك الدولي أن سعر صرف حقيقي للجنيه أقل بـ 15% من ذلك السائد، قد يرفع النموّ الإقتصادي في السودان بنسبة 0.9%. هذه الخطوة قد تكون ضرورية لإعادة ثقة المستثمرين وزيادة نموّ القطاع الخاص والمساعدة على دعم الصادرات ونمو الإنتاج في البلد.

وكما يظهر الرسمان البيانيان 18 و 19 فقد إنخفضت قيمة الجنيه السوداني بشكل كبير مقابل الدولار الأميركي واليورو. فبين الفصل الأول من عام 2010 والفصل الرابع من عام 2015، إنخفضت قيمة الجنيه بنسبة 174% أمام الدولار وبنسبة 120% أمام اليورو. زاد هذا الإنخفاض بعد إنفصال جنوب السودان عام 2011، حيث بلغ التراجع في قيمة الجنيه بين الفصل الأول من عام 2012 والفصل الرابع من عام 2015 حوالي 128% أمام الدولار و86% أمام اليورو. ويواجه الإقتصاد السوداني وضعاً شاقاً منذ إنفصال جنوب السودان، والذي أدّى إلى خسارة حوالي 85% من الإيرادات النفطية، بما أن حوالي 75% من إنتاج النفط كان يتأتى من حقول نفطية تقع حالياً تحت سيطرة دولة جنوب السودان. وقد أدّى الإنفصال أيضاً إلى إختلالات مالية حادة وإرتفاع التضخّم وتباطؤ النمو الإقتصادي. وقد حاول السودان التعافي من الصدمة الإقتصادية التي سبّبها إنفصال جنوب السودان، إلاّ أن العقوبات الأميركية والعوامل السياسية والإقتصادية المتأرجحة قد أثرت بشكل سلبي على هذه الجهود. وكل ذلك يشدّد على أهميّة تنويع الإقتصاد السوداني بهدف تحويل البلاد عن الإعتماد على النفط.

4. خاتمة

 تؤثر أنظمة الصرف المتعددة المعتمدة في الدول العربية على إقتصاداتها بشكل مختلف. فقد تأثرت دول الخليج التي تربط عملاتها بالدولار الأميركي أو بسلّة من العملات مؤخراً بتراجع أسعار النفط، ما أدّى إلى تراجع ملحوظ في إحتياطاتها. ولكن على الرغم من ذلك، فمن غير المتوقع تغيّر أنظمة سعر الصرف في هذه الدول على المستويين القصير والمتوسط. في المقابل، يقوم كل من العراق والأردن ولبنان بربط عملاتهم بالدولار من أجل الحفاظ على الإستقرار الإقتصادي وإستقرار القطاع المصرفي، لذلك قد يواجهون إختلالات إقتصادية ومالية في حال تغيّرت أنظمة الصرف لديهم. أمّا بالنسبة للإقتصاد المغربي والذي يقوم على ربط الدرهم باليورو والدولار بنسبة 60-40% على التوالي، فهو قد إستفاد من نظام سعر الصرف المعتمد فيه.

وتعتمد دول عربية أخرى أنظمة سعر صرف عائم مُدار تسمح بمرونة أكبر في أسواق الصرف الأجنبي، وفي حين أن تخفيض أو إنخفاض قيمة هذه العملات يمكن أن يؤدي إلى تضخّم مرتفع في المدى القصير (ضمن مصاعب نقدية أخرى)، فإن هذه الإجراءات النقدية قد تساعد في جعل هذه الإقتصادات أكثر جاذبية للمستثمرين وتساعد في الحفاظ على، أو حتى زيادة الإحتياطات الأجنبية.

 

 

Quick Links
Articles issued by Chairman, Board of Directors & Secretary General of UAB
Global Consulting Services Affordable to all
UAB Magazine - Issue 457 December 2018
إعلان بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة العربية
SPONSORS OF UAB EVENTS