Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
العراق والخطة المتكاملة للإعمار
(الحياة)-10/02/2018

ذكاء مخلص الخالدي
أعلنت وزارة التخطيط العراقية في نهاية كانون الثاني (يناير) الماضي، وضع خطة متكاملة لإعمار العراق تمتد لعشر سنوات وبكلفة 100 بليون دولار. وستُموّل من مصادر متنوعة، أهمها ما ترصده الحكومة ضمن موازناتها الاستثمارية. لكنها تطمح أيضاً إلى الحصول على منح واستثمارات، لدى تقديم الخطة إلى مؤتمر الكويت الدولي المقرر عقده في 12 شباط (فبراير) الجاري.
منذ تغيّر نظام الحكم في العراق قبل 15 عاماً، تتحدث الحكومات المتعاقبة عن إعادة الإعمار والتنمية المتوازنة من طريق توزيع الإنفاق الاستثماري في شكل عادل بين محافظات القطر، حتى لا تبقى جهود التنمية محصورة بالعاصمة بغداد وبعض المدن الكبيرة. لكن هذا الهدف لم يتحقق حتى في أحسن الظروف المتاحة، عندما كانت أسعار النفط مرتفعة باستثناء ما كان يحصل عليه إقليم كردستان من مخصصات تجاوزت في أحيان كثيرة استحقاقات، لأسباب سياسية.
واتهمت أخيراً محافظة المثنى الحكومة المركزية بإهمالها وتهميشها وتأخر إنجاز المشاريع والخدمات، بسبب عدم التزامها دفع الأموال المتفق عليها للمحافظة، ما تسبّب بتوقف مشاريع الطرق والجسور الرابطة بين المدينة وضواحيها. وتُعتبر شكوى محافظة المثنى واحدة من أخرى كثيرة، تقدمت بها محافظات أخرى في أوقات مختلفة.
ويُعزى عدم استفادة المحافظات من إنفاق التنمية وحتى ذلك الجاري على الخدمات اليومية كالنظافة والصيانة، وكما هو مصرح به على كل المستويات مثل البرلمان ورئاسة الوزراء والرأي العام، إلى انتشار الفساد في شكل لا سابق له في تاريخ العراق الحديث.
وتكشف الجهات الرسمية باستمرار عن صفقات ومشاريع وهمية كثيرة، ما يعني أن ليس هناك بالفعل مبالغ تُصرف على التنمية. أضف إلى ذلك، إنَّ كل السياسات الاقتصادية التي تبنّتها الحكومات المتعاقبة، لم تصبّ في اتجاه بناء اقتصاد وتحقيق تنمية اقتصادية، فضلاً عن استبعاد ممارسة نشاط اقتصادي مستدام في ظل فقدان الأمن. إلا أن ظروفاً كهذه تشجع على ازدهار نشاطات غير شرعية، مثل التهريب وتجارة المخدرات والاحتيال. فمهما تحاول الدولة كما يفعل العراق حالياً، لتشجيع القطاع الخاص العراقي والاستثمارات الأجنبية على الشراكة مع القطاع العام لتنفيذ مشاريع اقتصادية، لا يُتوقع لها النجاح، لأنَّ الاستقرار الأمني والشفافية هما الشرطان اللذان يبحث عنهما المستثمر الوطني والأجنبي.
لذا، فإن الأمل الذي تعقده الحكومة العراقية حالياً في الحصول على بعض المنح والاستثمارات من مؤتمر الكويت هذا الشهر، هو في رأينا تفاؤل ليس في محله. إذ بعد انخفاض أسعار النفط، أصبحت دول الخليج النفطية في وضع لا تستطيع فيه تقديم مساعدات مثل السابق، وتحولت موازناتها إلى العجز. كما توجد دول في المنطقة تستحق أكثر المساعدات والإنفاق على إعمارها، مثل مصر ولبنان والأردن وسورية واليمن، لذا من الصعب أن يتوقع بلد نفطي كالعراق تدفق الأموال إليه على شكل منح واستثمارات، وأقصى ما يمكن أن يحصل عليه، هو بعض القروض التي تزيد من عبء الدين الخارجي.
في ضوء ما ذُكر أعلاه، ليس أمام الحكومة العراقية سوى حل واحد يتمثل بالاعتماد على مواردها لتنفيذ خطة الإعمار، ويمكنها ذلك بأقل من عشر سنوات ومن دون الحاجة إلى الاقتراض أو الأمل في مِنح ومساعدات، قد يكون من الصعب تحقيقها، وذلك إذا أقرّت تخصيص 50 سنتاً أي نصف دولار من قيمة كل برميل نفط يصدّر يومياً لكل محافظة من أصل الـ 17 بعد استثناء العاصمة بغداد، كما هو مبين في الآتي، يصدّر العراق حالياً 3.5 مليون برميل من النفط يومياً، 3.5×0.5=1.8 مليون دولار، حصة كل محافظة من صادرات العراق النفطية اليومية، تصبح الحصة لكل محافظة سنوياً،
1.8×365=657 مليون دولار، و1.8×17=30.6 مليون دولار حصة كل المحافظات من الصادرات يومياً.
30.6×365=11.2 بليون دولار حصة كل المحافظات من إيرادات النفط سنوياً باستثناء العاصمة.
وعلى افتراض أنَّ سعر برميل النفط هو 45 دولاراً، وهو المعتمد في الموازنة لهذه السنة، فإنَّ 3.5×45=157.5 مليون دولار حصة الحكومة من صادرات النفط يومياً.
157.5–30.6=126.9 مليون دولار يومياً حصة الموازنة العامة من صادرات النفط بعد اقتطاع حصة المحافظات.
126.9×365=46.3 بليون دولار حصة الحكومة من صادرات النفط سنوياً، بعد استقطاع حصة المحافظات.
لذلك، إذا خُصّص مبلغ 11.2 بليون دولار سنوياً لتنمية المحافظات (باستثناء بغداد)، يكون المبلغ الكلي المطلوب لإعادة الإعمار 100 بليون دولار، سيؤمّن بأقل من عشر سنوات كالآتي،
100÷11.2=8.9 سنة يستطيع العراق خلالها إعادة الإعمار من دون ديون أومنح أو استثمارات خارجية.
لكن السعر الحالي للنفط الذي يزيد على 60 دولاراً للبرميل، حتى أنه كسر حاجز 70 دولاراً قبل أيام. وفي حال توقعنا بقاءه بحدود 65 دولاراً للفترة المتبقية من السنة، سيدخل إلى الموازنة العامة 20 دولاراً إضافياً عن كل برميل يصدّر يومياً:
3.5×20=70 مليون دولار إضافي يومياً.
70×365=25.6 بليون دولار إضافي سنوياً.
46.3 +25.6=71.9 بليون دولار حصة الموازنة العامة بعد استقطاع حصة إعمار المحافظات.
ويمثل المبلغ الأخير إيرادات الموازنة من صادرات النفط فقط، ولا يشمل الصادرات الأخرى والضرائب والرسوم والمبالغ المستَقطعة من تمشية المعاملات الحكومية. من هنا وبقليل من حسن التخطيط تستطيع الحكومة العراقية، تحقيق الكثير من إيراداتها النفطية وغير النفطية، ومن دون الحاجة إلى المساعدات وإلى مزيد من القروض. وإذا تمكّنت الحكومة من جذب الاستثمارات الوطنية الخاصة والأجنبية للمساهمة في إنماء العراق، من خلال تحقيق الاستقرار الأمني وضبط الفساد أولاً، فهي ستضمن ازدهاراً اقتصادياً وتنمية لكل أرجاء العراق.

*كاتبة متخصصة بالشؤون الاقتصادية

Quick Links
Articles issued by Chairman, Board of Directors & Secretary General of UAB
Global Consulting Services Affordable to all
UAB Magazine - Issue 448 March 2018
SPONSORS OF UAB EVENTS