Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
أخذت مجدها في العالم
العدد 462

أخذت مجدها في العالم

«التجارة الإلكترونية» في لبنان تواجه تلكؤ الدولة والتّجار والمصارف

تتحدث ريم عنتر إبنة الثالثة والعشرين بشغف عن متجرها الالكتروني المخصص لبيع الثياب للفتيات، والذي إفتتحته منذ فترة قصيرة وأقامت للمناسبة حفلاً في منزلها دعت إليه الأصدقاء، وكان قد سبق الافتتاح الاستعانة بمتخصص لمساعدتها على تحديد هوية متجرها واختيار العلامة التجارية التي سيحملها، ونشر صور الملابس التي تبيعها على الانستغرام.

قصة ريم تشبه قصة العشرات من اللبنانيين الذين أدركوا أهمية الاقتصاد الرقمي، وخصوصاً التجارة الالكترونية التي تنتشر متاجرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، حيث تصلنا يومياً عشرات العروضات التي تقدم لنا خدمة شراء السلع والخدمات، من دون أن نتكبد عناء الانتقال إلى الأسواق التجارية كما ويجنبنا ذلك الوقوع في فخ إزدحام السير، في الوقت الذي لا يتطلب إنشاء متجر إلكتروني إجراءات معقدة أو كلفة مرتفعة، علماً أنه على أصحاب المتاجر الالكترونية التصريح لوزارة المال كي لا تكون عرضة للملاحقة من قبل الوزارة.

كل ما سبق يجعل البحث عن أهمية هذه التجارة على الاقتصاد اللبناني مشروعاً، في ظل الجهود الحثيثة التي تتخذ لدعمه وإنعاشه ضمن إطار العمل على تطبيق مقررات «سيدر» وإصلاحاته، ولا سيما في ما يتعلق بدعم الاقتصاد الرقمي وإعطائه حيِّزاً أوسع من الاهتمام الرسمي وإعتماده كعنصر أساسي لمحاربة الفساد وتطبيق الشفافية، وبالتالي السؤال هو هل يملك لبنان البنية التحتية من تشريعات وقوانين، وكفاءة بشرية للسير قدماً في هذا النوع من التجارة؟

تنقسم التجارة الالكترونية إلى ثلاثة نماذج: التجارة بين الشركات أي Buisness to Buisness، التجارة بين العملاء أو من المستهلكين إلى المستهلكين أي Consumer to Consumer، والتجارة بين الشركات والعملاء أي Buisness to Consumer. والتجارة بين الشركات هي الأكثر رواجاً، إذ تصل وفق مصادر مختصّة إلى 80 في المئة من العمليات التجارية الالكترونية، وبلغة الارقام أي بحلول العام 2025، من المتوقع أن يمثل الاقتصاد الرقمي ما بين 15 بالمئة و24 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في لبنان، نقف اليوم على حدود الـ 4 بالمئة، كما يحتل لبنان المرتبة 105 من بين 183 دولة على مؤشر الرقمنة العالمي، حيث يسجل 57 بالمئة من حيث التبني الرقمي الشامل، و49 بالمئة فقط من حيث اعتماد الحكومة الرقمي، ويحتل لبنان المرتبة 61 من أصل 140 دولة على مؤشر الإبتكار، حيث سجل 39 بالمئة فقط من حيث وضعه الابتكاري.

في لغة التشريعات والقوانين تستلزم التجارة الإلكترونية، أنظمة دفع إلكترونية، كالتحويلات الإلكترونية، داخل البلد الواحد أو خارج حدوده، وبما أن غالبية العقود الإلكترونية، التي تتم عبر الإنترنت، هي عقود تجارية ذات طابع دولي، ومعظم المبيعات يتم بين شركات كبيرة وأفراد، فمن الضروري وجود حماية للمستهلك والأفراد، إزاء هذه الشركات الكبيرة، التي إعتادت أن تفرض على المستهلك مواصفات سلعها وبضائعها وأسعارها، وبالإضافة إلى التحويلات الإلكترونية، هناك بطاقات الدفع الإلكترونية، التي ازداد استخدامها في السنوات الأخيرة على المستويات المحلية والدولية، ولا سيما بعد انتشار وسائل الصرف الآلية (A.T.M) ونقاط البيع (P.O.S)، في معظم المحلات والمطاعم والشركات التجارية والمؤسسات.

صراف: على المصارف والشركات مجاراة التطورات الحاصلة

 من هذا المنطلق تشرح الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا لدى شركة «ماليا هولدينغ» جنيفر صراف يونان، بأن التجارة الالكترونية تنقسم إلى قسمين: الاول هو تبادل الانشطة التجارية الالكترونية (عروض بيع وشراء سلع وخدمات)، والثاني الدفع الالكتروني (أي دفع قيمة الخدمة أو السلعة) عبر شبكة الانترنت، وتُشير إلى أنه في لبنان عدّة شركات تقدم هذه الخدمة إنما ليس جميعها تتمتع بمستوى عالٍ من الأمان بالنسبة لأنظمة الدفع وفقاً للمعايير الدولية. لذلك فإن هذه الشركات تحتاج الى استثمار مستمر في هذا المجال لكي تتمكن من مجاراة التطورات العالمية الحاصلة، خاصةً فيما يتعلّق بالإستثمار بنفس معدّل التطور الجاري في الولايات المتحدة الأميركية.

تضيف صراف: «تملك المصارف اللبنانية القواعد الاساسية التي تتطلبها التجارة الالكترونية، وهي بحاجة إلى مواصلة الاستثمار في هذا الإطار من خلال توفير الموارد اللازمة من أجل تنمية رأس المال البشري لديهم وإعطاء الأولوية لهذا الاستثمار بغية التمكّن من مجاراة متطلبات التجارة الالكترونية عالمياً».

عجاقة: للتجارة الإلكترونية دور أساسي في رفع الناتج المحلّي

من جهته يشرح البروفسور جاسم عجاقة (خبير إقتصادي ومالي)، أهمية التجارة الالكترونية بالقول: «من المعروف أن التجارة الإلكترونية هي ثورة بدأت مع الثورة الصناعية الثالثة في تسعينات القرن الماضي مع تغلغل العولمة في كافة القطاعات، والهدف الرئيسي منها في ذلك الوقت زيادة التبادل التجاري الداخلي والعالمي عبر تقريب الأسواق وسهولة إختيار السلع، البضائع والخدمات المعروضة، إلا أن هذه التجارة واجهت تحدّياً كبيراً تمثّل في عدم ضمان سرية المعلومات المُرسلة من قبل المُشتري على الإنترنت (مثل رقم البطاقة المصرفية، العنوان، المعلومات الشخصية...). وأدّى عدم الأمان هذا إلى لجم هذه التجارة عالمياً مع تطورها النوعي داخل الولايات المُتحدة الأميركية التي وبفضل قوة التشريع فيها سمحت بتطوّر هذه التجارة إلى مستويات أكثر من مقبولة».

يضيف: «مع بزوغ الثورة الصناعية الرابعة وتطور تقنيات مثل الـ Blockchain وبروتوكولات نقل المعلومات على الإنترنت (Fix Protocol)، عادت التجارة الإلكترونية لتأخذ مجدها مدعومة بإطار تقني، قانوني ومعلوماتي كبير. فالبيانات التاريخية تُشير إلى أن نسبة إرتفاع العمليات التجارية الإلكترونية نسبة إلى التجارة الإجمالية تخطّت الـ 11 في المئة في العام 2018، وتزداد سنوياً بمعدّل 10 بالمئة مما يعني أنه وعلى هذا النمط، ستُشكل التجارة الإلكترونية أكثر من نصف التعامل التجاري بحدود العام 2034، ولا يجب تناسي الدوّر الأساسي الذي لعبته الأسواق المالية ومن خلفها القطاع المصرفي، في تطوير العمليات الإلكترونية بشكل أصبحت التجارة الإلكترونية ضرورة وليس رفاهية. ففي عصرنا الحالي الكثير من المُعاملات المصرفية تتمّ عبر الوسائل التكنولوجية (مثل الـ Home Banking) وهذا إن دلّ على شيء يدلّ على مدى تأثير القطاع المصرفي على التجارة الإلكترونية، وكان حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة قد أعلن سابقاً أنه سيتمّ إطلاق عملة رقمية في لبنان خلال هذا العام، هذه العمّلة ستلعب دور الـ Catalyzer بالنسبة للتجارة الإلكترونية حيث سنرى إرتفاعاً في عدد العمليات بوساطة هذه العمّلة مع مرور الوقت مما يُحفّز تلقائياً التجارة الإلكترونية. بالطبع أساس الناتج المحلّي الإجمالي مبني على التبادل التجاري بحكم أن هذا الأخير هو الترجمة العملية لعوامل الإنتاج (رأسمال، يد عاملة وتكنولوجيا). من هذا المُنطلق، تلعب التجارة الإلكترونية دوراً أساسياً في رفع هيكلي للناتج المحلّي الإجمالي. الجدير ذكره، أن عماد التجارة الإلكترونية هو القطاع المصرفي، وبدون هذا الأخير لن يكون هناك تجارة إلكترونية».

معايير ضرورية

والسؤال الذي يطرح هو هل يتمتع لبنان بالمعايير الضرورية التي تتطلبها التجارة الالكترونية؟

تجيب صراف: «التحديات التي تواجهها التجارة الإلكترونية في لبنان عديدة، منها إقتصار عدد الشركات التي يمكن للمستهلك الدفع عبرها على اثنتين وهي «فيزا» و«ماستر كارد»، وهذا ما يؤدي إلى تحجيم خيارات المستهلك وإنكفاء الشركات العالمية عن التواجد في السوق اللبناني، ولذلك أشدد على أنه يجب أن يحصل تطور سريع للبنى التحتية من أجل التمكن من جذب عملاء آخرين يستخدمون طرق دفع أخرى مثل paypal وapple pay».

تضيف: «ما يشكل نقطة ضعف بالنسبة للتجارة الالكترونية في لبنان أيضاً هو أن العمولة التي تتقاضاها الشركات خلال عملية الدفع الالكتروني كبيرة نسبياً، مما يزيد الكلفة على المستهلك والبائع على حد سواء الذي يفضل عندها إعتماد طريقة الدفع التقليدية، ولذلك أوصي أيضاً بإعادة النظر بالكلفة المادية للدفع وبإعتماد آليات مشابهة لتلك المعتمدة في دول العالم مما يخفف الأعباء على العميل ويقلل من فترة إنتظاره للحصول على الخدمة».

في المقابل تشيد صراف «بأنظمة الأمان التي تعتمدها الشركات والمصارف اللبنانية لإتمام عمليات الشراء والبيع عبر الانترنت، وتشير إلى أن هناك خطوات يجب أن تترافق مع حملات توعية لتعليم المستهلك كيفية إستعمالها بالطريقة الصحيحة كي يحصل على أعلى درجة أمان، وتشدد على أن لبنان شهد تطوراً إيجابياً في هذه التجارة، لكن يبقى أنه علينا تحريرها من العديد من العوائق، وأن تُقدم المصارف اللبنانية على المزيد من الاستثمارات فيها للسماح للشركات بالإنفتاح على العالم الخارجي وتطوير الكادر البشري العامل في هذا النوع من التجارة».

مسؤوليات مشتركة

في واقع الحال، يجمع الخبراء على أهمية التكنولوجيا في مساعدة وتطوير الاقتصاد، وتأمين فرص العمل للشباب اللبنانيين ما سيرفع أيضاً من عدد الاستثمارات الخارجية في البلد مما سيزيد من فرص عمل الادمغة اللبنانية، وفي هذا الإطار يقول عجاقة: «كما سبق الذكر، التجارة الإلكترونية موجودة منذ فترة في لبنان، لكنها تعمل بأدنى المقومات من ناحية البنى التحتية والقانونية. فاليوم ما زال في لبنان تلكؤ لإعتماد التقنيات اللازمة للتجارة الإلكترونية. ويتحمَّل المسؤولية في ذلك الدولة بالدرجة الأولى لعدم التوعية على أهمية هذا الأمر، التجار بالدرجة الثانية لعدم وعيهم لأهمية هذا الأمر في أعمالهم وحجم السوق المُحتمل لبضائعهم. أما المصارف، فتتحمّل قسماً من المسؤولية بحكم أنها الأساس في العملية ولا تدفع بإتجاهإعتماد التقنيات، إلا أن هذا الأمر يُمكن تبريره بالوضع السياسي الذي ساد في الأعوام الماضية والمسؤولية الضخمة للمصارف في تمويل الدولة. على صعيد القوانين والتشريعات، لم تكن هذه الأخيرة على المستوى المطلوب حتى إقرار التعديلات على قانون التجارة البرية (قانون 85) والذي أقرّ العديد من الأمور الأساسية للتجارة الإلكترونية وعلى رأسها خلق شركة محدودة المسؤولية من شخص واحد وإعتماد التوقيع الإلكتروني. وعلى صعيد الكفاءات البشرية، نعتقد أن لبنان يتمتّع بكفاءات عالية من قبل التقنيين كفيلة بمواكبة العمليات التجارية الإلكترونية، إلا أن النقص يبقى لدى التجّار بالدرجة الأولى. على صعيد المُستخدمين (المشتري) نعم هناك وعي وكفاءة لإجراء أي عملية تجارية على الإنترنت. الحال أيضاً مُشابه للتقنيين حيث يتمتّع لبنان بكفاءات أكثر من عالية لتركيب البنى التحتية للتجار ومواكبة العمليات بتفاصيلها. كما أن المصارف تتمتّع بالخبرة الكافية على هذا الصعيد، إلا أن الضعف يبقى لدى التجّار الذين حتى الساعة لا يمتلكون الكفاءات ولا الرغبة في الإنتقال إلى التجارة الإلكترونية. الجدير ذكره أن تقنية البلوكتشين والتي تُعتبر قمّة الأمان السيبيري وقمّة الكفاءة في تعاطي المعلومات غير مُتوفّرة حالياً في لبنان. وبالتالي فإن إعتمادها سيكون حكماً جزءاً من إستراتيجية وطنية تتطلّب العديد من السنوات لنقل المعلومات والإستفادة القصوى من (Migration)».

محاربة الفساد

يجمع كل من صراف وعجاقة على أن التجارة الالكترونية تحقق الهدف المنشود لجهة محاربة الفساد وتأمين الشفافية، إذ يقول عجاقة: «مما لا شكّ فيه أن التجارة الإلكترونية ستُحقّق هدفاً رئيسياً وهو القضاء على الإحتكار وبالتالي خفض الأسعار. وفي حال إعتمدت الدولة اللبنانية الحكومة الإلكترونية، فإن الشفافية في المعاملات الإدارية ستكون مؤمّنة وسينخفض حجم الفساد في خدمات الدولة إلى أكثر من 70 % من حجمه الحالي».

تجدر الإشارة إلى أنه ومنذ العام 2003، تم إنجاز أكثر من 10 دراسات وطنية حول إستراتيجية الحكومة الإلكترونية في لبنان، كما حول إستراتيجية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإقتصاد الرقمي وأخيراً التحول الرقمي. وتشير إحدى الدراسات الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن «مستوى القدرة التنافسية للأمم يعكس مدى قدرتها على توفير الرخاء المتزايد لمواطنيها». ما يعني أن «التحول الرقمي» في أي دولة هو من المقومات الأساسية لتحقيق الرخاء الوطني، لأن فرص الدولة الرقمية في النمو الاقتصادي أسرع، وأكثر مردوداً على جميع القطاعات الاقتصادية.

باسمة عطوي

 

Quick Links
Articles issued by Chairman, Board of Directors & Secretary General of UAB
Global Consulting Services Affordable to all
UAB Magazine - Issue 464 July 2019
UAB-OECD joint Conference