Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
النائب الأول لرئيس البنك الدولي الدكتور محمود محي الدين:
العدد 458

النائب الأول لرئيس البنك الدولي الدكتور محمود محي الدين:

تزايد حجم الإيداعات العربية في الخارج

والمطلوب إستراتيجية عربية متكاملة للتجارة الإلكترونية

 

قدم النائب الأول لرئيس البنك الدولي الدكتور محمود محي الدين، مداخلة خلال إنعقاد الدورة الرابعة للقمة العربية التنموية: الإقتصادية والإجتماعية في العاصمة اللبنانية بيروت، التي ترأسها رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون، وحضرها أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز ووفود عربية عدة، فأكد «أن الإقليم الإقتصادي العربي هو الأسوأ في عدم العدالة في توزيع الدخل، إذ يستحوذ أغنى 10% من السكان على 61% من الدخل القومي، في حين أن الـ 10% الأغنى في أوروبا لا يتجاوز نصيبهم 37% وفي الصين 42% والهند 55% من دخولهم القومية»، مشيراً إلى «أن الإقتصاد العربي يُعاني أعلى نسبة بطالة في العالم، إذ وصلت هذه النسبة إلى 10,6% وهي تقترب من ضعف متوسط نسبة البطالة العالمية ومقدارها 5,7% وهي أشد تركزاً بين شباب العرب وأعلى بين النساء مقارنة بالرجال. ويحتاج الإقتصاد العربي توليد 10 ملايين فرصة عمل جديدة كل عام حتى يتصدى لمعضلة البطالة»، مؤكداً «أن تمويل التنمية المستدامة لا يأتي من خلال صفقات مالية متناثرة أو إنفاق مشتت، بل يجب أن يستند إلى نهج متكامل قوامه سياسات متناسقة ومؤسسات ذات كفاءة، ويعتمد هذا النهج على تمكين الشباب أو المرأة من خلال إتاحة فرص العمل والإستثمار وريادة الأعمال من خلال مؤسسات متخصصة وتمويل داعم».

وخلص د. محي الدين إلى القول: «لقد تعلمنا من نتائج الثورات الصناعية الأولى أن المستقبل لمن سعى منطلقاً إلى رحاب التقدم، وأن الفيصل بين التقدم والتخلف مرتهن بسرعة توافق المجتمعات والإقتصادات لمستجدات التكنولوجيا وترويضها لنفع الناس».

في ما يلي تعرض مجلة «إتحاد المصارف العربية» مداخلة النائب الأول لرئيس البنك الدولي الدكتور محمود محي الدين.

ينعقد هذا المؤتمر المهم، في وقت أصبح فيه العالم أكثر تقلباً من الناحية السياسية وأكثر هشاشة من الناحية الإقتصادية. فقد ضعفت معدلات نمو الإقتصاد العالمي، وتزايدت حالات التوتر والنزاعات في التجارة الدولية، وإزدادت المخاطر المحدقة بالإقتصادات المختلفة مع إحتمالات إرتفاع تكلفة الإقتراض. ومع إستمرار هذه الأجواء الضبابية، يتجنب الإستثمار المخاطرة، فيلوذ بأوعية آمنة في تقديره، وإن كانت قليلة العائد المالي، ولا تُسهم في زيادة معدلات النمو أو تخفيض البطالة أو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

نشهد تغيرات في موازين القوى الإقتصادية العالمية والإقليمية، والتي تسارعت وتيرة تغيرها مع الأزمة المالية العالمية التي إندلعت في عام 2008، وما سبقها ولحقها من أزمات من أسعار الغذاء والطاقة. وتعكس، في ما تعكس، تواتر النزعات الحمائية، وتصاعد دور التيارات الشعبوية اليمينية واليسارية مع حدة الإستقطاب في الشارع السياسي تزامناً مع حالة الجزع من تراجع نسبي لبعض القوى الإقتصادية التقليدية، وتقدم للبازغين من القوى الإقتصادية الجديدة. وبين المنحسرين والبازغين يتلمس العرب مكاناً لهم على أمل أن تكون ترتيبات النظام الدولي الجديدة أكثر إنصافاً. وقد علمنا أنه بغير الدأب المتواصل على التطوير والتحديث والإرتقاء برأس المال البشري وتطويع تكنولوجيا العصر، تخسر الأمم في مضمار التقدم، ولا يبقى لديها من مجد الأقدمين إلا آثاراً وأطلالاً.

وفي ظل هذه الحالات من الإضطراب وعدم اليقين والحراك السريع الذي يشهده عالم شديد التغير، يعاني من تقلبات بيئية وتغيرات المناخ وزيادة مخاطر الجفاف، وإرتفاع موجات نزوح البشر وكثرة اللاجئين والمهاجرين قسراً بسبب الصراعات والكوارث الطبيعية وتسارع وتيرة التحولات التكنولوجية في عصر أطلق عليه «عصر المربكات الكبرى» تجد الإقتصاد العربي، فضلاً عن هذه التحديات العالمية التي يتأثر بها، وقد أصابته، منذ بداية هذا العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، من الملمّات الجيوسياسية ما أصابه، إذ تُقدر تكلفة الخسائر في النشاط الإقتصادي بسبب الحروب والصراعات ما يزيد على 900 مليار دولار، لتضيف عبئاً على أعباء تراكمت من تراجع في النمو والتنمية الشاملة في البلدان العربية.

وبينما نجحت الأقاليم الإقتصادية حول العالم من تخفيض نسبة مَن يعانون من الفقر المدقع، إلا أن هذه النسبة قد زادت عربياً إلى الضعف من 2,6% إلى 5% في الفترة من العام 2013 وحتى العام 2015، وهو آخر إحصاء صدر عن البنك الدولي في عام 2018. كما أن الإقليم الإقتصادي العربي هو الأسوأ في عدم العدالة في توزيع الدخل، إذ يستحوذ أغنى 10% من السكان على 61% من الدخل القومي، في حين أن الـ 10% الأغنى في أوروبا لا يتجاوز نصيبهم 37% وفي الصين 42% والهند 55% من دخولهم القومية.

وحري بالإقتصاد العربي التحرك سريعاً ليُلبي إحتياجات عموم الناس وتوقعاتهم، ولكن تأتي توقعات النمو الإقتصادي لتشير إلى تحسن طفيف في نمو الإقتصادات العربية لتصل إلى 2,3% في هذا العام، مقارنة بالعام الماضي الذي إستقر معدل النمو الإقتصادي فيه عند 2% فقط، وهو رقم شديد الإنخفاض لا يلبي إحتياجات التنمية وزيادات السكان وتوقعاتهم.

ويعاني الإقتصاد العربي من أعلى نسبة بطالة في العالم، إذ وصلت هذه النسبة إلى 10,6% وهي تقترب من ضعف متوسط نسبة البطالة العالمية ومقدارها 5,7%، وهي أشد تركزاً بين شباب العرب وأعلى بين النساء مقارنة بالرجال. ويحتاج الإقتصاد العربي إلى توليد 10 ملايين فرصة عمل جديدة كل عام حتى يتصدى لمعضلة البطالة، على أن تُتاح هذه الفرص وفقاً لسياسات نمو شاملة تعزز من فرص مشاركة النساء في سوق العمل، على النحو الذي أكده فريد بلحاج نائب رئيس البنك الدولي في كلمته الأخيرة التي ألقاها في مؤتمر المشرق حول «التمكين الإقتصادي للمرأة» تحت رعاية الرئيس سعد الحريري. حيث يأتي هذا إنصافاً للمرأة العربية وتقديراً لكفاءتها، كلما أُتيحت لها الفرص، ودعماً لتنمية مستدامة لا تفتئت على حقوق الناس أو تهدر نصف طاقته البشرية عبثاً.

إن المجتمعات العربية تزداد شبابية في هرمها السكاني، فيما يقترب من نسبة 60% من السكان تحت سن الثلاثين، ويتزامن ذلك مع زيادة توقعات العمر عند الولادة في ذات الوقت وهي أمور إيجابية إذا أُحسن الإستعداد لها بزيادة الإستثمار في التعليم والرعاية الصحية، كمكونات رئيسية لرأس المال البشري، والبنية الأساسية المعينة على الإستفادة من أنشطة الإقتصاد الجديد الذي تدخل فيه تكنولوجيا المعلومات والمستجدات الرقمية في كافة أبعادها، فضلاً عن الإستثمار في مجالات التوقي من المخاطر. وإن كانت هذه أولويات المستقبل الذي تضع أجندة التنمية المستدامة لعام 2030 إطاراً عملياً زمنياً لها، فإن التعامل معها يلزمه إستثمار ضخم يحتاج إلى موارد مالية متنوعة المصادر وفقاً لخطة عمل تمويل التنمية التي أقرتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في يوليو/تموز من العام 2015 في أديس أبابا.

وقد تقدمت عشر دول عربية بخططها الطوعية لبرامجها التنموية في إطار المنتدى السياسي رفيع المستوى للمنظومة الأممية، وستتبعها 6 دول أخرى في يوليو/تموز المقبل، وقد توافقت برامجها المعلنة مع أجندة التنمية المستدامة، إذ علّمتنا تجارب التنمية أن الأمر يتطلب ثلاثة مستلزمات: بيانات وافية تُعين إتخاذ القرار وتتابعه، وتمويل مناسب لبرامج ومشروعات التنمية وتطبيق فعال على المستوى المحلي. وتُظهر الدراسة المتميزة التي أعدها «المنتدى العربي للبيئة والتنمية» والصادرة في بيروت في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أن الإقتصادات العربية تحتاج إلى تمويل يصل حده الأدنى إلى 230 مليار دولار سنوياً، للإسهام في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وأن الفجوة التمويلية في الدول ذات العجز المالي تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً.

فدعونا نتدبر سوياً من أين سيأتي هذا التمويل الضخم؟ وأود تأكيد أن تمويل التنمية المستدامة لا يأتي من خلال صفقات مالية متناثرة أو إنفاق مشتت، بل يجب أن يستند إلى نهج متكامل قوامه سياسات متناسقة ومؤسسات ذات كفاءة، ويعتمد هذا النهج على تمكين الشباب أو المرأة من خلال إتاحة فرص العمل والإستثمار وريادة الأعمال من خلال مؤسسات متخصصة وتمويل داعم. كما يركز هذا النهج على توطين التنمية محلياً في منافسة بين المدن والمحافظات والأقاليم في جذب الإستثمارات، وتطوير وحدات الإنتاج والخدمات الأساسية والمتطورة ورفع الكفاءة من خلال إجراءات المالية العامة ودفع التنافسية وتحفيز الإبتكار. ولا يُغني ذلك عن منع نزيف خسائر الكيانات الإقتصادية المملوكة للدولة، وضرورة إستخدام الأصول المعطلة في زيادة الموارد وتحويلها إلى أصول منتجة أو أرصدة تمول التنمية، لا أن تترك بلا نفع فيها كأعجاز نخل خاوية.

وأول محاور تمويل التنمية العربية السبعة، التي يُمكن لمجموعة البنك الدولي الإسهام في تطويرها من خلال الدعم الفني والإسهام المالي ونقل الخبرات الدولية والمعارف، يعتمد على تعبئة الموارد المحلية بكفاءة وإنفاقها بفاعلية وحسن إستهداف مجالات الإنفاق العام، وهناك ضرورة للتصدي العاجل لخلل الموازنات العامة العربية، وما يترتب عليه من تراكم للمديونيات المحلية والدولية، وإرتفاع معدلات التضخم والغلاء. فرغم تحسن طفيف طرأ على إجمالي موازنات الإقتصاديات العربية بإنخفاض العجز فيها إلى 4,5%، وفقاً للتقديرات مقارنة بالعام المنصرم، فإن مدى تعرضها لصدمات اقتصادية لا يزال كبيراً، ومع إتجاهات إرتفاع تكلفة الإقتراض لتمويل العجز وإنخفاض الإيرادات السيادية، تتزايد المخاطر.

ونلاحظ أنه رغم جهود بذلت لتنويع الهيكل الإنتاجي للاقتصادات العربية ومواردها، فإن موازناتها العامة وموازين مدفوعاتها الدولية، لا تزال شديدة التأثر بتقلبات أسعار النفط بشكل مباشر وغير مباشر. فبعدما تجاوز متوسط سعر النفط 100 دولار في الفترة من العام 2011 إلى العام 2014، أصبح أقل من 50 دولاراً في الفترة من العام 2015 إلى العام 2018، والتوقعات التي تتم مراجعتها دورياً، أن يحوم السعر حول 69 دولاراً و74 دولاراً في العامين الحالي والمقبل. وهذا التقلب الشديد في أعوام قليلة لا يعين على ضبط الموازنات ودفع النمو لإقتصادات لا تزال شديدة الإرتباط بسلعة واحدة ومشتقاتها، في عالم يشهد تغيراً في خريطة تصدير النفط، وتخفيض الإعتماد عليه بالتنوع في مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة.

وقد شاهدنا جهود الإصلاح ومساعي تنويع القاعدة الإنتاجية، ومصادر الطاقة وهي تشتد مع إنخفاض أسعار النفط في الدول المصدرة، ومع إرتفاعه في الدول المستوردة، ثم سرعان ما تفتر هذه الجهود مع تغيرات إتجاه الأسعار، مما يعسر من شأن الإقتصاد وإستقراره ونموه. حسناً فعلت بعض الدول العربية بإتخاذ إصلاحات في المالية العامة وبإنشاء صناديق سيادية، تُديرها مؤسسات محترفة لزيادة العوائد على الإستثمار وتنويع مصادر الدخل وحماية حقوق الأجيال المقبلة.

لكن هناك حاجة إلى تحسين الموارد الضريبية للموازنات العامة العربية التي تبلغ متوسط 11% من الدخل القومي بما يقل عن المتوسط الموصى به بألا تقل إيرادات الضرائب عن 15% من الدخل القومي. وهذا يستوجب إصلاحاً مؤسسياً وتشريعياً، وتوعية وعدالة في تحمّل العبء الضريبي وكفاءة وفاعلية وإنضباط في الإنفاق، وبضبط الإنفاق العام سيُتاح التمويل المصرفي وغير المصرفي للقطاع الخاص ليقوم بدوره في التنمية، مسهماً في نمو الإقتصاد، ومتيحاً لفرص العمل، ودافعاً للضرائب عن أرباحه المتحققة. لقد خفّضت التقنية المالية الحديثة من تكلفة المعاملات، ورفعت قدرات خدمة أعداد غفيرة من العملاء الجدد من خلال خدمات الإنترنت والهاتف الجوال، فوصلت الخدمات المالية لمناطق نائية وريفية بعدما كانت حكراً على بعض المناطق الحضرية.

كذلك هناك مخاطر تتعلق بمدى تأمين نظم المدفوعات، وأمان تداول المعاملات وحماية المتعاملين وسرية حساباتهم ووقايتها من مخاطر جديدة قد تتعرض لها شبكات التداول ومنصاتها. كما أن هناك تحدياً يرتبط بالتنسيق بين جهات الرقابة المالية والبنوك المركزية، وشركات تقديم خدمات الهاتف وشركات التكنولوجيا. وقد فرضت إنتهاكات الخصوصية، من خلال الولوج إلى قواعد البيانات الكبرى والتلاعب بها، خطراً جديداً ينبغي التصدي له.

كما تُظهر خدع ما يُسمى بالعملات الرقمية المشفرة، والتقلب العنيف في أسعارها بين إرتفاع وإنهيار بلا سبب منطقي معلوم، ضرورة أخرى لوجود سياسة متكاملة للتقنية المالية، والإرتقاء بالرقابة المالية ومهارات العاملين فيها، وتطوير قواعد حماية المتعاملين مع الجهات التي توفر الخدمات المالية سواء كانت مصرفية أو غيرها، والإرتقاء بالوعي المالي في المجتمع. وقد شهدت الإجتماعات السنوية الأخيرة للبنك وصندوق النقد الدوليين، التي عقدت في بالي في إندونيسيا، تدشيناً لما أُطلق عليه «أجندة بالي للتقنية المالية» تناولت 12 عنصراً محدداً لزيادة النفع من إسهامات التقنية المالية في تعبئة الموارد وتوجيهها لمسارات التنمية، مع الحفاظ على الإستقرار النقدي والمالي وحماية الحقوق، والعبرة، من قبل ومن بعد، بفاعلية التطبيق.

في خطة تمويل التنمية المستدامة، ثمة محور لتدفقات التمويل الخاصة في شكل إستثمارات أجنبية وغيرها. وتُبرز الإسكوا (لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا) في دراسة لها: أن مقابل كل دولار من الإستثمارات يأتي للإقتصاد العربي، فإن 108 دولارات يخرج منها كاستثمارات في دول غير عربية أو كعوائد استثمار للشريك الأجنبي. علماً بأن الإستثمارات الأجنبية للدول العربية في عمومها قد تراجعت ولم تعد لمستويات ما قبل الأزمة المالية العالمية، فضلاً عن تزايد حجم الإيداعات العربية في الخارج في شكل ودائع مصرفية. و إذا أضفنا تحويلات العاملين بالخارج، رغم أهميتها لعدد من الدول العربية، فإن الإقتصاد العربي مصدر صاف لهذه التحويلات. قد تختلف هذه الصورة في بعض البلدان، ولكن هذا هو الوضع العربي العام.

وتلوح فرص للإقتصادات العربية مع تدفقات متزايدة عالمياً في مجالات التمويل الأخضر، كذلك ما يُعرف بالإستثمار المؤثر، وتزايد إنشاء صناديق تمويل ضخمة على مدار العامين الماضيين، إذ صرح مؤسسوها بأن إستثماراتهم تتشكل من هذا النوع المؤثر إجتماعياً وبيئياً لا سواه. وقد أُعلن مؤخراً أن الأصول المستثمر فيها قد بلغت 228 مليار دولار في شهر ديسمبر/ كانون الأول 2018، بزيادة تُقدر بضعف قيمة ما كانت عليه في العام السابق. وتشير التوقعات إلى أن تتجاوز أرقام هذه الإستثمارات تريليون دولار في الأجل القصير.

ويميِّز هذا النوع من الإستثمار إستهدافه لمجالات تحقق عائداً إجتماعياً وبيئياً إيجابياً، قابلاً للقياس، فضلاً عن العائد المالي لمشروعاتها. قد يتداعى إلى الذهن أن الإستثمار المسؤول إجتماعياً أمر متعارف عليه منذ فترة، ويعتمد على معايير بيئية وإجتماعية بالإضافة إلى الحوكمة، لكن الجديد في الأمر يتمثل في أن المستثمرين لا يكتفون بمجرد تجنب إلحاق الضرر بالبيئة أو المجتمع، لكنهم يستهدفون بالأساس تحقيق قيمة مضافة إيجابية وملموسة من خلال مشروعاتهم.

وقد إستقرت المساعدات الإنمائية الرسمية عالمياً عند متوسط 15 مليار دولار سنوياً، رغم مطالبة الدول المانحة بالوفاء بتعهد منحها 0.7% من دخولها للدول الأقل دخلاً، فقليل من المانحين يلتزمون. لكن نصيب المنطقة العربية قد زاد مؤخراً بعد إنخفاض لسنوات، وتوجهت بالأساس للمجالات الإنسانية وغوث اللاجئين. وفي كل الأحوال فإنه ورغم أهمية هذه المساعدات للدول منخفضة الدخل، وتلك التي تعاني من هشاشة أو عانت لسنوات من صراعات وحروب أهلية، فإنها من الممكن أن تُعين في مراحل التحول نحو الإستقرار وخصوصاً في القطاعات ذات الأثر الإجتماعي.

ومع إرتفاع الديون في كثير من الدول العربية، وإنخفاض الإدخار في أغلبها، أصبح لزاماً عليها أن تُحدد إطار تمويل التنمية بشكل متكامل، وكيفية التنسيق بين مصادر التمويل العامة والخاصة والمحلية والاجنبية، وتفعيل نظم المشاركة بما يدفع بالنمو قدماً، ويقلل أعباء الديون. وتُحدد ورقة عمل مشتركة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ثلاثة مجالات للتعامل مع متطلبات إدارة الديون العامة: أولها هو زيادة قدرات الدول على التحليل الفني للديون والمالية العامة وسياساتها. والمجال الثاني المعني هو تدعيم نظم الإفصاح والمعرفة والمعلومات لكي يتضح حجم الديون والإلتزامات بأنواعها على كافة الأطراف وإجراءات الإصلاح وفتراتها وأعبائها. والمجال الثالث يرتبط بتدعيم قدرات مؤسسات الدولة والتنسيق بين سياساتها في مجال إدارة الديون والمخاطر. علماً أن هذه المجالات الثلاثة في التعامل مع الديون تستوجب إدارة فعالة لجانب الاصول المملوكة للدولة وتعظيم العائد منها.

ثمة بُعد للتجارة لا ينبغي إغفاله في تحقيق أهداف التنمية، ولا تزال التجارة البيئية في العالم العربي متواضعة عند نسبتها إلى إجمالي التجارة، فهي لا تتجاوز 10% في أفضل الأحوال تعوقها تكاليف النقل واللوجيستيات رغم إقتراب المسافات، ورغم وفرة في المواثيق الممكنة لإنسياب التجارة البينية إلا أن تفعيلها كان محدوداً في تخفيض تكلفة المعاملات، وهناك إشارة أن المتوسط الإقليمي العربي لإجراءات تيسير التجارة لا يتجاوز 56% في بعض التقديرات، فضلاً عن المعوقات غير الجمركية ومصاعب التجارة في الخدمات. وتُتيح تكنولوجيا المعلومات والإقتصاد الرقمي، إذا ما إستُخدمت بكفاءة، فرصاً كبيرة لتدفق الصادرات والواردات العربية البينية.

و إذا كان هذا شأن التجارة التقليدية، فلعله من الواجب اليوم أن يكون لدى الإقتصادات العربية إستراتيجية متكاملة تختص بالتجارة الالكترونية التي تُسهم في التوافق مع متطلبات الثورة الصناعية الجدية، وأنماط نشاطها الإقتصادي القائم على المنصات الإلكترونية، وشبكاتها وقواعد البيانات الكبرى، وتأمينها وضمان تسوية مدفوعاتها، وتيسير أعمالها وحماية المتعاملين في نطاقها، وتشجيع المنافسة والشمول لخدماتها وربطها بقطاعات الإنتاج من خلال سلاسل القيم.

كما أكدت وثيقة تمويل التنمية المستدامة، أنه لن تتحقق أهداف التنمية المستدامة من دون الإنتفاع بالعلم والإستفادة من التكنولوجيا والإبتكار. بالعلم والمال يبني الناس ملكهم..

ففي الوقت الذي يشهد العالم فيه بزوغ الثورة الصناعية الرابعة، نتذكر أنه لم يكن نصيب العرب من الثورات الصناعية الثلاث السابقة وعوائدها متناسباً مع مقومات وإمكانات كامنة لديهم. ففي القرن الثامن عشر كان إختراع المحركات البخارية وما أحدثه من نقله نوعية في إقتصادات الإنتاج الصناعي إيذاناً بالثورة الصناعية الاولى. أما الثورة الصناعية الثانية، فقد تزامنت مع إكتشاف الكهرباء في القرن التاسع عشر، وإستحدثت منتجات جديدة غيّرت أنماط الإنتاج وطوّرت من حياة البشر.

أما الثورة الصناعية الثالثة، فلقد إعتمدت على المستجدات التكنولوجية في القرن العشرين التي إرتبطت بإختراع وتطوير الحواسب الآلية، وإنتشارها في مجالات الإنتاج والخدمات ووسائل المعيشة. إلا أن الثورة الصناعية الجديدة تُمثل نقلة كبرى في إنطلاق الإقتصاد الرقمي وتكنولوجيا المعلومات، وما يرتبط بها من إبتكارات ومنتجات التي ستُبدل حياة الناس والإنتاج بما لم تسبقها إليه، أي من الثورات الصناعية السابقة.

Quick Links
Articles issued by Chairman, Board of Directors & Secretary General of UAB
Global Consulting Services Affordable to all
UAB Magazine - Issue 464 July 2019