Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
الخلافات التجارية الأميركية الصينية:
العدد 462

الخلافات التجارية الأميركية – الصينية:

بكين لم تقل بعد كلمتها الأخيرة لواشنطن..ولكن..

منذ أشهر والخيول تجول في ما بات يسمّى بالحرب التجارية بين أميركا والصين أو الانتقام والإنتقام المتبادل الحاصل من حين لآخر من خلال فرض ضرائب على هذه السلع أو تلك بمئات مليارات الدولارات، والسبب أن العم سام يريد حماية منتجات وشركات بلاده من المنافسة الخارجية المتمثلة باستيراد سلع صينية رخيصة السعر. وأصبحت الحمائية شعاراً للرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذه السياسة رأى فيها البعض أنها تنافي نظرية التبادل الحر. لكن هناك من يرى أنها ليست ضد التبادل الحر إنما الهدف منها عدم تطبيق هذا التبادل في وقت أن صناعة ما في بلدٍ ما هي حديثة الولادة ويحتاج هذا البلد لحماية هذه الصناعة عند ولادتها قبل أن تصبح قوية وقادرة على منافسة غيرها مشابهة لها.

الحاصل اليوم أن عملاقين اثنين اقتصادياً الأول عالمياً وهو الولايات المتحدة والثاني وهو الصين يتصارعان، حيث يعتبر الرئيس ترامب أن التجارة بين بلاده والصين ليست عادلة. فالولايات المتحدة تقول إن العجز التجاري مع الصين يفوق 400 مليار دولار لصالح الصين بينما بكين تقول إن العجز لا يتعدى 150 ملياراً. وحصلت لقاءات عديدة بين ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ وجولات من المفاوضات تنجح أحياناً وتتعثر أحياناً أخرى ويمضي الطرفان بسياسة الكيل بمكيالين وتنعكس هذه الاضطرابات سلباً على حركة البورصات العالمية وعلى تقلُّب أسعار الصرف للدولار وأحياناً لليوان الصيني، اليوان الذي أصبح بمثابة كابوس للأميركيين الذين يعتبرون أنه مقوّم بأقل من قيمته، وهذا يسبب عجزاً للتجارة الأميركية مع الصين.

فالولايات المتحدة إضافة إلى فرضها ضرائب بنسبة بلغت 25 في المئة على منتجات صينية كثيرة وأساسية تدخل السوق الأميركية تعدّت حدود الضغط وفرضت قيوداً على شركات صينية مثل شركة Huawei الأولى عالمياً المختصة بالمعدات الإلكترونية الضرورية للإتصالات، ووضعت هذه الشركة على لائحة الشركات الممنوع التعامل معها والتزمت بعض الدول بذلك مثل اليابان.

وعندما وصلت الأمور إلى هذا الحد نقلت مصادر عن السلطات الصينية نيتها استخدام المعادن الأرضية النادرة للردّ على الولايات المتحدة في حربها التجارية، في خطوة من شأنها أن تعمِّق من الخلافات، حيث أن كلاً من الطرفين يلجأ إلى التصعيد بدلاً من التوصل إلى اتفاق مشترك يحفظ ماء الوجه لكلٍ منهما، ويمنع نشوب أزمة عالمية جديدة نحن بغنى عنها اليوم، وقد تصل إلى قطاع مصرفي أساسي في البلدين، لا سيما أن الطرفين يقوم الاقتصاد العالمي بالقسم الأكبر منه عليهما.

فالصين هي البلد الأساسي في العالم الذي يملك في أرضه معادن نادرة مكونة مع 17 عنصراً كيماوياً تستخدم في الالكترونيات الاستهلاكية ذات التكنولوجيا الفائقة إلى المعدات العسكرية، وهذه المعادن النادرة تعتبر أميركا من أكبر مستخدميها في صناعاتها العسكرية.

فإذا قررت الصين استخدام هذا السلاح الحسّاس في حربها التجارية مع أميركا فإن أسعار هذه المعادن ستتضاعف وتسبب إحراجاً للأميركيين، وهذا الأمر ربما لم يفكر به الرئيس ترامب. صحيح أن الصين ستتضرّر من تشديد القيود على تجارة هذه المعادن للولايات المتحدة، إنما الضرر سيكون أكبر على الأميركيين، لا سيما أنه يتعلق بشق استراتيجي عسكري. وعلى سبيل المثال استوردت الولايات المتحدة الأميركية معادن نادرة من الصين بين فترة 2014 و2017 ما نسبته 80 في المئة من مجمل وارداتها من هذه المعادن، كما أنها استثنت هذه المعادن النادرة إلى جانب بعض المعادن الصينية الأخرى المهمة من الرسوم الجمركية العالية التي فرضتها مؤخراً على الصين. فها هي الصين اليوم تلوِّح باستعمال هذه المعادن كسلاح في الخصومة التجارية كي لا نقل حرباً. وحديثاً أطلقت الصين حزمة جديدة من الانتقام بحجم 60 مليار دولار ضرائب على سلع أميركية.

الأمر الثاني والأهم والذي لا شك بأن الرئيس الأميركي ينظر إليه بحذر والصين قادرة على استخدامه كسلاح فتّاك في النزاع التجاري بينهما هو قدرة الصين، وهي صاحب أكثر مالك للديون الأميركية في العالم وللدولار، على ضرب الولايات المتحدة مالياً وفي الصميم، حيث تملك مخزوناً من سندات أميركية يفوق 1120 مليار دولار وأقدمت في شهر آذار/مارس الماضي على بيع 10 مليارات من هذا الحجم (سندات دين أميركية على أجل قصير وآخر طويل الأمد)، حسب أرقام الخزانة الأميركية التي تحصي كل التقلبات عالمياً حول سندات دين الولايات المتحدة الأميركية.

هذه الخطوة التي قامت بها الصين تُعدّ الأولى منذ شهور وتوقيتها اليوم ليس بريئاً، وقد يكون إنذاراً من التنين إلى العم سام.

بعض المحللين يرى أن الوقت الذي قامت فيه الصين ببيع هذا الحجم من سندات ديون أميركا كانت فيه الأمور جيدة بين البلدين وقد لا تكون ردة فعل على ما قام به الرئيس ترامب من فرض رسوم جمركية عالية جديدة على سلع صينية معينة بحجم قارب 200 مليار دولار. ومع ذلك فإذا قامت الصين ببيع سندات أكثر للانتقام أكثر، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة على سوق السندات العالمية ويفرض واقعاً جديداً يتمثل برفع الفائدة على هذه السندات على المدى الطويل، كما سيفرض نوعاً من الضغط على عملة اليوان الصينية نحو الارتفاع، الأمر الذي لا ترغب به الصين على الإطلاق وقد يكون عاملاً مهماً كي تعدُّ الصين حتى المئة قبل اتخاذ قرار مماثل، إلا إذا أرادت اعتماد «سياسة عليَّ وعلى أعدائي»، وهنا قد تفشل كل رهانات ترامب في حال كان متيقظاً لما قد تقوم به الصين.

فالصين تملك أكثر من 1120 مليار دولار عبارة عن سندات دين أميركية اشترتها بكين لتصبح جزءاً من حوالي 3100 مليار دولار عبارة عن مجمل ما تملكه الصين من سندات عالمية. فهي بذلك صاحبة القرار بمصير سوق الدين الأميركية وباستطاعتها إذا شاءت أن تهز العصا للأميركيين ساعة تشاء أيضاً على الأقل من خلال توتير الأسواق والضغط على الدولار، لكن هذه المرة وبحسب رأينا من خلال شراء العملة الأميركية، الأمر الذي سيزيد من قيمة هذه الأخيرة عالمياً ويسبِّب إحراجاً للتجارة الأميركية وتحديداً الصادرات، لأن الصين التي تملك ثلث احتياطي الدولار عالمياً بإمكانها أن تبيع الجزء الأكبر من هذا الاحتياطي لديها فتهبط قيمة الدولار، إنما اليوم فبمقدورها إذا أرادت القيام بعكس ذلك إذا أرادت أن تضرب سياسة الرئيس الأميركي الداعية للبنك المركزي في بلاده للتوقف عن سياسة رفع الفائدة التي تضرّ بالنمو الاقتصادي وتزيد من سعر الدولار.

فالصين إذا أرادت هي قادرة على تدمير الاقتصاد الأميركي من خلال ما تملكه من مقومات مالية، وهذا من الناحية النظرية لكن من الناحية العملية فالمصلحة تقتضي أن لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم.

مازن حمود

محلل اقتصادي ومالي/باريس

Quick Links
Articles issued by Chairman, Board of Directors & Secretary General of UAB
Global Consulting Services Affordable to all
UAB Magazine - Issue 464 July 2019
UAB-OECD joint Conference