Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
الصناعة المصرفية الإسلامية ... الواقع والتطبيقات العملية

تقديــم

الصناعة المصرفية الإسلامية ... الواقع والتطبيقات العملية 'كتاب جديد للباحث في الصيرفة الإسلامية، رئيس جمعية المصارف الإسلامية العراقية الدكتور صادق الشمري، يضاف إلى المكتبة المصرفية العربية.

يتناول الكتاب تجربة المصارف الإسلامية مقارنة مع التاريخ الطويل للمصارف التقليدية، والتحديات التي واجهت العمل المصرفي الإسلامي. وصولاً إلى واقع هذا القطاع اليوم الذي حقق نجاحات كبيرة على الصعيدين العربي والدولي.

يشكل هذا الكتاب بحثاً معمقاً حول تطور هذا القطاع منذ بداية التسعينات من القرن الماضي. وحول إنتشاره السريع مفصلاً أسباب هذا الإنتشار وخلفياته ودوافعه، وبطرحه موضوعات مهمة وذات صلة قوية بالمجتمع والواقع، وتعريف القارئ بمفردات الصيرفة الإسلامية، والإضاءة على دور هذا القطاع الهام في تحقيق النمو المصرفي والإقتصادي والإجتماعي، ومساهمتها في خلق بيئة فقهية مصرفية لدى العاملين في المصارف. إضافة إلى دورها الهام في تحسين إجراءات الرقابة المالية ورفع درجة الثقة فيها، في إطار عملية التحديث والتطوير ومتطلبات التقنية الحديثة، ورفع درجة تنافسية نشاطات الصيرفة الإسلامية وتطوير منتجاتها المالية.

أهمية هذا الكتاب، تكمن في أسلوبه السهل، وتسلسل أبوابه ضمن منهجية تمكن القارئ من التعمق والتعرف على كل جديد في الصناعة المصرفية الإسلامية، ودورها الفاعل في تحسين الإقتصادات والمجتمعات العربية.

إن إتحاد المصارف العربية، كمنصة أساسية لتعزيز وتطوير الثقافة المصرفية العربية، يرى في هذا الكتاب مساحة واسعة من الشفافية والموضوعية، وفائدة كبيرة لكل مصرف ومصرفي يهمه أن يتطلع إلى تجارب الآخرين ويستفيد منها، إضافة إلى أنه قيمة مضافة لمكتبتنا العربية التي تحتاج إلى تعزيز مؤلفاتها الإقتصادية والمصرفية والمالية، وخصوصاً الإسلامية منها، بكل جديد نظراً لتسارع التطورات في هذا المجال.


والله ولي التوفيق.


وسام حسن فتوح
الأمين العام

التمهيد ....

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين واله وأصحابه وبعد،

على الرغم من حداثة تجربة المصارف الإسلامية ومقارنة بالتاريخ الطويل للمصارف التقليدية (التجارية) وما اكتنفته تلك التجربة من المصاعب والعقبات الكثيرة التي واجهت العمل المصرفي الإسلامي فقد استطاعت المصارف الإسلامية تحقيق نجاحات واضحة على الصعيدين الإقليمي والعالمي وليس أدل على ذلك من زيادة عدد هذه المصارف وانتشارها الجغرافي والنمو في حجم أنشطتها إذ زاد عدد المصارف الإسلامية على 590 مصرفا منتشرة في 57 دولة أي مايعادل ثلث دول العالم.
لقد ثبت بالملموس أن نشاط الصيرفة الإسلامية أثبتت حضوراً منقطع النظير ومتميزاً منذُ بدايات نشاطاتها الفعلية بداية السبعينات من القرن الماضي وهذا أن دل على شيء فإنما يدل على ارتفاع الطلب على منتجاتها من قبل الزبائن وارتفاع أرباح المصارف الإسلامية كونها أكثر مخاطرة، علماً انهُ كلما ارتفعت المخاطرة زادت العوائد، كما ثبت أيضاً فساد آلية سعر الفائدة في إدارة النشاط الاقتصادي المعاصر وعلى الجدوى العملية الفاعلة والرشيدة لمعدل الربح فالمفهوم الإسلامي كآلية لإدارة مناسبة هذا النشاط هو البديل السهل والفاعل والميسور والذي يتمثل في إحلال المشاركة في (الغُنم بالغُرم) الربح والخسارة محل المداينة (بفائدة) لذلك أصبح من الضروري والملح تحويل المصارف التقليدية إلى مصارف تعمل وفقاً لصيغ تعمل بآلية الربح والخسارة باعتبارها آلية فاعلة ورشيدة لإدارة النشاط الاقتصادي المعاصر.
ان الدليل على فاعلية آليات التمويل الإسلامي أن هناك أصوات كثيرة في العالم الغربي بدأت تطالب بالحل الإسلامي في تمويل الأنشطة الاقتصادية , إذ جاء على لسان الكثير ومنهم (بوفيس فاسنون) في افتتاحية مجلة شالونج مخاطباً بها بابا الفاتيكان بقوله (أظن أننا بحاجة أكثر في هذهِ الأزمة إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ماورد في القران من تعاليم وأحكام وطبقوها ماحل بنا ماحل من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري لان النقود لاتلد النقود)، وكذلك كتب (رولان لاسكن في صحيفة لو جورنال دي فينناس) في مقال له هل تأهلت wall street لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية من خلال مطالبته بوضوح وجرأة أكثر بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي هزت العالم وأسواقه من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة .
وكذلك الباحثة الايطالية (لوريتا نابليوني) وضعت كتاباً اسمه ( اقتصاد ابن آوى ) أكدت فيه على أهمية التمويل الإسلامي ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي كما أشارت إلى أن التوازن في الأسواق المالية يمكن التوصل إليه بفضل عمليات التمويل الإسلامي بعد تحطيم التصنيف الغربي الذي يشبه الاقتصاد الإسلامي (بالإرهاب ) وأنه برئ من هذا الوصف وأضافت أيضاً إن التمويل الإسلامي هو القطاع الأكثر ديناميكية في عالم المال الكوني, وعلى إن المصارف الإسلامية يمكن إن تصبح هي البديل الملائم والفعال للبنوك التجارية.
وعلى هذا الأساس ومع انهيار الأسواق المالية العالمية من خلال أزمة القروض والرهن العقاري أو ما تسمى انهيار وول ستريت أو Credit Crunch فأن ذلك أصبح واقعاً ملموساً في إعادة النظر في هيكلية المصارف التقليدية التجارية وأنها تحتاج إلى تغيير أنظمتها التي اعتمدت على سعر الفائدة وأعدتهُ أساس العمل أو العمود الفقري لأي نظام مصرفي ولا يكون هناك اقتصادا سليماً بدون وجود نظام مصرفي يتعامل بآلية الفوائد .
أن انتشار الفساد الأخلاقي الاقتصادي عندما قامت الأنظمة المصرفية في هذهِ الدول باستغلال وعرض الشائعات المغرضة والغش والتدليس والاحتكار واعتمدوا على تجارة الديون بيعاً وشراءً ووساطة , كما قاموا برفع معدلات الفائدة على الودائع وهذا بالنتيجة سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الفائدة المستحصلة من القروض الممنوحة للإفراد والشركات علماً أن المستفيد الأول هو المصارف والوسطاء الماليون كما سيقع العبء أولاً وأخيراً على المقترضين والذين هم بحاجة الى الاموال لاقامة مشروعاتهم وتغطية التزاماتهم, كل ذلك أدى إلى انهيار الأسواق المالية من خلال قيامها باجارة المال مقابل فوائد محددة او بيع الدين بالدين والافراط بالاقراض بدون ضمانات وكلها محرمات , وهنا يبرز دور المصارف الإسلامية في تحقيق التوازن الاقتصادي السليم من خلال ربط التمويل بالعمل والمشاريع .
أن ربط التمويل بالعمل سيؤدي بالضرورة إلى تحقيق المزيد من الموازنة بين العرض والطلب وبالتالي المساهمة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتنمية وتطوير المجتمعات مما يؤدي إلى تدفقات نقدية وسلعية متوازية ومتزامنة في آن واحد بدلاً من بيع النقد بالنقد أو وتقليص مخاطر التضخم في أسعار السلع والخدمات والتي تعتبر هدفاً أسمى للسياسات المالية والاقتصادية العامة والقطاعية، إضافة إلى تحقيق منفعة الفرد والمجتمع وإسعاد ورفاهية المجتمعات ومنع حالات الغش والغرر في المعاملات , وتكون هناك شفافية في تحديد الهوامش الربحية لهذهِ المؤسسات , وعليه لابد أن تستند المعاملات المالية على تدفقات حقيقية للسلع والخدمات أي العمليات التي تزيد القيم المضافة والتي بدورها تحقق التوازن الحقيقي من خلال الاستغلال الأمثل للموارد والإمكانات المتاحة والقضاء على البطالة المستشرية في هذهِ البلدان وتحقيق الكفاءة والفاعلية وحسن التدبير في الإدارة المالية للمؤسسات المالية وتوطين الثروات والاستثمار في مجالات الطاقة والاستخراج واستصلاح الأراضي وتحلية المياه بدلاً من المتاجرة والمقامرة بالمشتقات المالية وتوريق الديون من خلال سياسات مجازفة بعيدة عن الحيطة والحذر بحيث يستمر الفرد بالاستهلاك وبرغبة شرائية لاحدود لها ولاتستند على تدفقات نقدية جارية من المدخولات السنوية للإفراد وإنما في الاستمرار في الاقتراض .
كما لم يعد تقديم الخدمات المصرفية الإسلامية مقتصرا على المصارف الإسلامية المتخصصة فقط إذ أصبح بإمكان المصارف التقليدية ومصارف الاستثمار تقديم هذه الخدمات ولم تقتصر ذلك على المصارف العاملة في الدول العربية والإسلامية بل تعداها إلى المصارف العالمية مثل Citi Bank, HSBC, Barkles , UBS إذ قامت هذه المصارف بفتح نوافذ ودوائر متخصصة للاستثمار والعمل المصرفي الإسلامي بالإضافة إلى ذلك فقد نشطت في الآونة الأخيرة حركة التعامل بالأدوات الاستثمارية الإسلامية وذلك من خلال تأسيس صناديق الاستثمار المشترك تعمل وفقا لإحكام الشريعة الإسلامية ولم يقتصر نشاط الاستثمار في هذه الأدوات على الأسواق المالية في الدول الإسلامية وقد يكون هذا ليس إيمانا بالفكرة وإنما لوقف تسرب الودائع منها إلى المصارف الإسلامية وأيمانا بجدواها الاقتصادية كما تزايدت الحصة السوقية لهذهِ المصارف وارتفاع أداء وحجم الإعمال للصيرفة الإسلامية وتنوع وتعدد أساليب التمويل الإسلامي والتي أصبحت تشكل ركناً أساسياً ومهماً من العمليات المصرفية العالمية كل ذلك أصبح عامل جذب واستقطاب الكثير من المستثمرين والمتعاملين بهذهِ المنتجات ، إضافة إلى المبادرات التي قامت بها الكثير من الجامعات ومراكز الأبحاث في أوربا وأمريكا بإنشاء أقسام متخصصة في مجال دراسات الاقتصاد الإسلامي وعمليات الصيرفة الإسلامية وبالواقع فأن جذب الأموال والمدخرات هي أحد أهم الأهداف الأساسية للصيرفة الإسلامية، حيث أنها قدمت آليات وأوعية هامة لجذب المدخرات التي تتناسب مع الأسس والقواعد الشرعية على اعتبار أن للصيرفة الإسلامية القدرة على تطوير الأدوات والآليات والمنتجات الإسلامية ومقدرتها العالية من خلال مرونتها الكبيرة في مجال أدارة المخاطر ودورها الكبير باعتبارها أحد العوامل الأساسية والحيوية للمساعدة على تعزيز تعبئة الموارد لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تخفيف حدة الفقر وفي المساهمة في التقليل من البطالة المستشرية في البلدان الإسلامية، وبالتالي يمكن ان تنطلق المصارف الاسلامية في بناء مجتمعات متقدمة , من خلال بناء الانسان وسعادته ورفاهيته واعمار الارض لتحقيق مقاصد الشريعة وتخليص الانسان من براثن التخلف والفقر.
وعلى هذا الأساس نجد أن تطبيقات الاقتصاد الإسلامي تعد الحل المناسب والناجح من خلال العمل ضمن آليات بعيدة عن الغش والاحتكار أي بالعمل ضمن بيئة القيم والأخلاق والأمانة والصدق في التعامل والمصداقية والشفافية والتيسير والتعاون والتضامن وكذلك إعانة الغارمين (الغارقين بالديون) حيث أوجب سهماً للغارمين عند توزيع الزكاة وذلك لمنع أي أزمة ائتمانية تؤدي إلى انهيارهم من خلال حلول دائمية وليست وقتية (كمعالجة الأزمات المالية في الدول الغربية) كحلول علاجية أنية من خلال ضخ مليارات الدولارات في شرايين اقتصادياتها للمشروعات الخاسرة وبذلك فهي ساعدت الغني مرتين الأولى عندما تركته يرتكب الأخطاء أي بعدم احترام إدارات السيولة والربحية وإدارة مخاطر الائتمان وإدارة كفاية رأس المال ويتعاطى الفائدة أو الربا من خلال الإفراط في الإقراض والفوائد المستحصلة وبيع ما لايملك المصرف ومنح التسهيلات والقروض بدون ضمانات وبيع الديون (التوريق) للحصول على سيولة ومن ثم ضخها مرة ثانية في عمليات إقراض , وخاصة في السوق العقاري والمضاربات في أسواق المال والعقارات , وعدم كفاية القواعد المنظمة للعمل المالي والفشل الجماعي وتقدير مدى المخاطر التي أقدمت عليها مجموعة واسعة من المؤسسات المالية وهذا ما أثبت للعالم بانهيار نظرية الحرية الاقتصادية الكاملة ووضوح بوادر انهيار أسواق المال الأمريكي حيث تفاقمت أزمة المديونية في الدولة ليبلغ حجم الدين العام فيها أكثر من تسعة ترليونات والنصف تريليون دولار , بالنتيجة سيتحمل أعباء ذلك دافعي الضرائب .
ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الصيرفة الإسلامية أصبحت تجربة رائدة وناجحة باعتبارها صناعة مالية راسخة ومتطورة على الصعيدين الدولي والإسلامي ولديها نجاحات على صعيد تحقيق النمو المصرفي والتنموي الاقتصادي والاجتماعي رغم قصر عمر هذهِ التجربة الفتية والتي لايزيد عمرها عن اربعة عقود من خلال عملها على تطوير الموارد البشرية بالتأهيل والتدريب على مستويين الأول هو تأصيل العمل المصرفي الإسلامي وتعميقهُ لخلق بيئة فقهية مصرفية لدى العاملين بالمصارف ليصبح المصرف قادراً على الإفتاء بدلاً من أن يكون مستفتياً
أما المستوى الثاني هو تحسين إجراءات الرقابة المالية ورفع درجة الثقة فيها في أطار عملية التحديث والتطوير ومتطلبات التقنية الحديثة، وأصبحت تلبي احتياجات السوق المصرفية من خلال رفع درجة تنافسية نشاطات الصيرفة الإسلامية وتطوير منتجاتها المالية، من كل هذا نستطيع القول بأن الصيرفة الإسلامية أصبح لها أهمية كبيرة وهذهِ الأهمية تزداد يوماً بعد يوم حيث من المتوقع أن تستقطب نسبة 50 ـ 60 % من مجموع المدخرين للأعوام القادمة، في حين أن نسبة المسلمين في العالم خمس سكان الكرة الأرضية، يرغبون بالتعامل مع مصارف بعيدة عن التعاطي أو التعامل بالربا أو الفائدة لكونهما وجهان لعملة واحدة .
بالمقابل نرى أن الصناعة المصرفية التقليدية تواجه انحسارا في الربحية وتدهوراً في نوعية المنتجات التي تقدمها، وذلك من خلال عملها واعتمادها على الفائدة (الربا) في أنشطتها حيث عدت أن سعر الفائدة كثمن أو إيجار لاستخدام النقود واعتبروها كما أكد عليه بعض الاقتصاديين هو السعر الاستراتيجي في النظام الاقتصادي المعاصر، وعدوها الجهاز العصبي للنظام المصرفي الحديث وهو الأداة الأساسية لإدارة النظام النقدي وهو العامل المؤثر في المدخرات وهو المعيار الذي يضمن انتقاء أكفأ المشروعات , وهو الذي يخلص الدول النامية من مزيد من المديونية الخارجية وبالتالي من التبعية ,كما اعتبروا نظام الفائدة هو من سيضمن أكفأ استخدام للموارد عن طريق أمثل توزيع لها وبالتالي يتحقق عمارة الأرض وتتم مقومات القوة الاقتصادية ويتقدم المجتمع ومن خلال هذهِ المؤشرات يتضح للقارئ بأن الفائدة هو القدر المحتوم والذي لايمكن التخلي عنها .
لذلك اعتبروا الفائدة لايمكن التخلي عنها حيث سيقع ظلماً على أصحاب الأموال ومنهم الدائنين وسينهار النظام المصرفي ويشل النظام التقليدي وتؤدي حتماً إلى هدر اقتصادي وذلك لان إلغاء الفائدة (حسب نظر هؤلاء الاقتصاديين) يعني أن رأس المال يصبح في حكم المال المباح (كالهواء) ويعني أيضاً الفوضى في اختيار المشروعات وتعم الفوضى الاقتصادية ويزداد الفقير فقراً وتتعمق التبعية , لذلك فأن وجود نظام اقتصادي ناجح مرهون بوجود سعر الفائدة (حسب نظرهم) وغيابها يعني الدمار والفناء، لكن وكمثال على رأي الجمهور من الاقتصاديين فقد رأوا أن سعر الفائدة لايعتبر المستوى العملي أداة فعالة لتخصيص الموارد، حيث توصل انزلر وكونراد وجونسون ومن خلال دراسة ميدانية إلى حقيقة إن رأس المال في الاقتصاديات المعاصرة قد أسئ تخصيصه إلى حد خطير بين قطاعات الاقتصاد وأنواع الاستثمارات أساساً بسبب سعر الفائدة – فالفائدة أداة رديئة ومضللة في تخصيص الموارد، من خلال تمويل للمشروعات الكبيرة على أساس 'اقتراض' غير مدروس بجدارتها الائتمانية ومن ثم تعزز هذهِ الأداة الاتجاهات الاحتكارية .
لذلك فقد أكد الكثير من الاقتصاديين بأن (الربح) وليس (الفائدة) هو المحرك الأساس لديناميكية الإنتاج والنمو في الاقتصاديات الرأسمالية والإلية الحقيقية الفاعلة هي الربح وليس الفائدة حتى مفكري الاقتصاد الرأسمالي ومنهم كنز يصف الفائدة بقوله ( حين تتوافر رؤوس الأموال المتاحة للتوظيف فان سعر الفائدة يهبط بطبيعته إلى الصفر ولا يبقى مجال يعيش فيه المستثمر المتبطل على حساب المجتمع بما يقتضيه من فائض ربوي في صورة فائدة أو ربح فاحش) ويؤكد كنز إن الفائدة تعوق النمو الاقتصادي وتعطل حركةالاموال وان التنمية لاتتحقق إلا إذا كان سعر الفائدة صفرا أو مايقرب منه وهذا يعني الابتعاد عن اخذ الفائدة أو التعامل بها وهذا مطلب الصيرفة الإسلامية.
وقد ظهرت نظريات عديدة متعلقة بالنقود والسلع وأسس التبادل وقد كان للحضارة العربية الإسلامية إسهامات كثيرة في إطار النظرية الاقتصادية القائمة على أسس الشريعة اتضح لاحقا أنها كانت فيها سابقة وملخص النظرية انه عند تعدد أنواع النقود أو العملات في المجتمع فان العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التداول لان الناس يفضلون بذل الرديئة ثمنا لما يشترون ويحفظون الجيدة لانفسهم فتختفي من السوق وينسب إلى الاقتصاد المعاصر الفضل في وضع أسس هذه النظرية إلى الاقتصادي الانكليزي (طوماس غريشام) الذي عاش مابين 1519 – 1579 وتقوم النظرية إلى انه بحال وجود نوعين من النقود في السوق, نوع جيد تعرض إلى تخفيض قيمته وأخر رديء رفع المشرع من قيمته بشكل يفوق الواقع فان النقد الردي يطرد الجيد من السوق وعليه فان الفتوى الضعيفة تطرد الفتوى القوية أن الحاجة ليس في زيادة الإنفاق (باتفاق الاقتصاديين) وهي ليست بالقطع مشكلة نقدية وإنما مشكلة هيكلية فهو ليس الحاجة إلى زيادة الإنفاق النقدي لكي تخرج من ركودها المزمن وإنما أحداث تغيير هيكلي في العملية الإنتاجية عن طريق إحداث تنمية شاملة (اقتصادية واجتماعية في القيمة) أي العمل على رفع درجة استغلال الموارد الإنتاجية المتاحة وليس الاعتماد على سعر الفائدة( ) وما الأزمة المالية التي حدثت في وول ستريت والتي وصفها مدير المخابرات الأميركي أن خطر الأزمة أخطر من الإرهاب إلا دليل على تخبط المصارف التقليدية في أنشطتها لذلك ينبغي الدعوة إلى إعادة روح الابتكار والتجديد حيث أن الصناعة المصرفية التقليدية بحاجة إلى أن تكشف نفسها من جديد إذا كانت تستطيع الازدهار في القرن الحادي والعشرين، فالمنتجات التي ساهمت في تطويرها وتوسيع أنشطتها في السابق لم تعد قادرة على الاستمرار وتحقيق ربحية عالية. فقبل أعوام عدة كانت هذهِ المنتجات مبتكرات جديدة، أما اليوم فهي مجرد منتجات اعتيادية وهو ما يعني أن ربحيتها آخذة في الانحسار، إن لم تكن خاسرة لكونها باعت الدين بالدين وباعت مالم تملكه وأفرطت في عمليات الإقراض بدون ضمانات كما أنها كانت تستوفي فوائد مرتفعة والتي تعتبر من العلل المزمنة في المجتمعات البعض اعتبرها الايدز للاقتصاد المعاصر لذلك على المصارف الإسلامية إن تنتهز هذهِ الفرصة بقيامها بتقديم منتجات جديدة وقادرة على أن تتغلغل في السوق المصرفية وان تغتنم فرصة الانحسار والتدهور التي تتعرض له المصارف التقليدية لتحل محلها من خلال تطوير وتنويع منتجاتها وأن تفرض وجودها طالما أصبحت واقعاً يحتذى به لذلك وطالما أن الصيرفة الإسلامية أن واجبها الأساس هو المتاجرة بالنقد باعتباره ليس سلعة وإنما وسيلة للتبادل ومخزناً للقيم وأداة للوفاء لاستخدامه في النشاط الإنتاجي ونتيجة هذا الاستخدام فأن مايتحقق من مكاسب أوخسارة (الغنمُ بالغُرم) ومن ضمن أنشطة المصارف الإسلامية (أي بعدم الفصل بأمور الدين وأمور الدنيا وكما يجب مراعاة ما شرعه الله تعالى في العبادة ينبغي مراعاة ما شرعه الله تعالى في المعاملات بإحلال ما أحله وتحريم ما حرمهُ وفقاً لحكم الشريعة على أن من أبرز مظاهر التحريم هو الربا أو الفائدة.
وبناءا عليه فان الجميع يتفق على إن عملية تنمية المال واستثماره بصورة سليمة، تتم من خلال عمليات التمويل الإسلامي بالابتعاد عن الفائدة أخذا أو عطاءا.
أما الصيرفة التقليدية فأنها تقوم بالمتاجرة بالنقد كسلعة ومن ثم لها ثمن عنده وهو مقابل الأجل وهذا هو الربا ( المحرم بعينه ) الذي حرمه الله تعالى ونهانا عنهُ رسولنا الكريم .
ومن هذا المنطلق ينبغي الأخذ بعمليات التمويل الإسلامي الذي يعتمد على الربح والخسارة وفق مفهوم الخراج بالضمان في أنشطتهِ مثل صيغ المشاركة , المضاربة , بيع السلم , الاستصناع ومنع عمليات الغش والتدليس والفساد الأخلاقي والاحتكار والاكتناز (الذي يحرم الدورة الاقتصادية من دوران النقد) والاعتماد على مبدأ تقليب الأموال لغرض تحقيق الربح الحلال وتحقيق منفعة الفرد والمجتمع وتنمية المجتمعات والإكثار من الصدقات وهذا بالضرورة سيؤدي على القضاء على البطالة المستشرية في البلدان الإسلامية من خلال منح الغارمين (الغارقين بالديون) والتوسعة عليهم فالحل بالشريعة باعتبارها منهج للحياة نسأل الله تعالى إن يجعلنا وإياكم من السائرين على هذا المنهج العظيم وأن الحمد لله رب العالمين .
وقد تناول هذا الكتاب الجديد في طرحه لموضوعات مهمة وذات صلة قوية بالمجتمع والواقع والهدف المنشود في التعريف بالربا (او الفائدة) وتعريف القارئ الكريم بمفردات كانت بعيدة ولا يستطيع ان يفهمها بسهولة اذ تضمن عدة فصول وكل فصل اشتمل على مباحث عدة وخاتمة لخلاصة كل ماقد يقال او يتقول عن المنتجات التي تقدمها المصرفية الاسلامية وحسب توفيق الله سبحانه وتعالى لنا وقد جاء هذا الكتاب في ثمان فصول تشمل عدة مباحث ، ويشمل المقدمة حيث يتطرق إلى الفصول أدناه :
الفصل الأول: مقدمة عقود البيع وانواع المعاملات المحرمة الربا , المفهوم والدلالات و الأسباب التي أدت إلى تحريم الربا ومفاسده ومضاره الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي وردت بتحريم الربا.
أما الفصل الثاني :
تضمن عدة مباحث شملت :
- انواع المؤسسات المالية ودورها في الاقتصاد الوطني
- دور المنشآت المالية في الاقتصاد الوطني .
- طبيعة المصارف ومنشآتها وتخصصها .
فيما يتناول الفصل الثالث البنوك المركزية وغسل الاموال والحوكمة المصرفية وكفاية رأس المال في المصارف الاسلامية
بينما يشمل الفصل الرابع اهمية المصرف الاسلامي وخصائصه والتحديات التي تواجهه، وذمم البيوع المؤجلة وبيع الثمن بالعين وانواعه .
أما الفصل الخامس فشمل المضاربة واركانها والمشاركة واركانها وطريقة قياس وتوزيع الارباح على المستثمرين في العملية الاستثمارية وطرق واساليب توزيع الارباح في المصارف الاسلامية.
وشمل الفصل السادس موضوع المزارعة والمساقاة والاجارة والجعالة وصيغة التمويل بالتوريق والقرض الحسن والشمول المالي ودوره في تعزيز البناء والتشييد والاقتصاد الاخضر والمصارف الخضراء والتأمين التعاوني الاسلامي وصناديق الاستثمار .
أما الفصل السابع فتضمن خدمات المصارف الاسلامية وكيفية ادارة السيولة والبطاقات المصرفية والاعتمادات المستندية وخطابات الضمان والقوائم المالية للمصارف الاسلامية .
وتضمن الفصل الثامن انواع حسابات الائتمان والشروط الخاصة فيها وآلية تحول مصرف تقليدي الى مصرف اسلامي واجراءات فتح او اقامة نافذة اسلامية في مصرف تقليدي واوجه الاختلاف بين المصارف الاسلامية والمصارف التقليدية وشمل ايضا قانون الصرفة الاسلامية .
وفي الختام نسال الله ان يوفقنا لمايحبه ويرضاه وان يكون قد وفقنا في عرضنا لهذه المنتجات وتحقيق الغاية والهدف المنشود من الاسترشاد ومرجعا ومنهجا ومصدرا يمكن الافادة منه نسال الله ان يوفقنا ويجعل هذا العمل خالصا لوجه الله تعالى لاطمعا بدنيا ولامال وانما صالح الاعمال



ومن الله التوفيق

Quick Links
Articles issued by Chairman, Board of Directors & Secretary General of UAB
Global Consulting Services Affordable to all
UAB Magazine - Issue 457 December 2018
إعلان بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة العربية
SPONSORS OF UAB EVENTS