Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
ابتكارات التكنولوجيا المالية ومستقبل الخدمات المصرفية (4/09/2018)
إتحاد المصارف العربية - إدارة الدراسات والبحوث

1. ثورة التكنولوجيا المالية

تتمتع التكنولوجيا المالية (Financial Technology – Fintech) بقدرة حقيقية على تغيير هيكل الخدمات المالية، وجعلها أسرع، وأرخص، وأكثر أمناً وشفافية وإتاحة، خصوصاً للشريحة الكبيرة من السكان التي لا تتعامل مع الجهاز المصرفي. من جهة أخرى، إن سرعة التطوّر في خدمات التكنولوجيا المالية والشركات الناشئة التي تقدم الحلول المالية المبتكرة التي تُحاكي ما تقدمه القطاعات المصرفية وتقوم بتبسيط العمليات المصرفية، يشكّل تهديداً يجب التحوّط منه وإتخاذ كافة الإجراءات الإحترازية التي تحقق سلامة ونزاهة وإستقرار القطاع المصرفي والمالي، حيث تمثل التكنولوجيا المالية وتطبيقاتها المختلفة فرصاً وتحديات في الوقت عينه للمصارف والمؤسسات المالية الأخرى. وقد تتغير بشكل كبير طبيعة ونطاق المخاطر المصرفية كما هي مفهومة تقليدياً نتيجة لتزايد الإعتماد على التكنولوجيا المالية.

شكّل قطاع التكنولوجيا المالية Fintech خلال السنوات القليلة الماضية ثورةً في مجال الأنظمة المالية العالمية والعربية، حيث بات يلبي الكثير من الحاجات والخدمات المتعلقة بالعمليات المالية المختلفة وبطرق متقدمة تنافس إلى حد كبير الخدمات المالية التقليدية من حيث السرعة والتكلفة. ولقد نجحت الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية (fintech startups) في تقديم حزمة متنوعة من الخدمات المالية تتضمن خدمات المدفوعات والعملات الرقمية وتحويل الأموال وكذلك الإقراض والتمويل الجماعى وإدارة الثروات بالإضافة إلى خدمات التأمين، الأمر الذى يلقى بظلاله على مستقبل الخدمات المالية التقليدية. وربما تنشأ المنافسة بين المؤسسات المالية التقليدية وشركات التكنولوجيا المالية في تقديم الخدمات المالية، وما يتبع ذلك من تحديات قد تواجه القطاعات المصرفية والجهات التنظيمية والرقابية، ولذلك تسعى العديد من المصارف والمؤسسات المالية إلى إدخال بعض التغييرات في نماذج أعمالها من خلال التوسّع في الإعتماد على التكنولوجيا والإستثمار في البنية التحتية الخاصة بها، وربما الدخول في شراكة مع الشركات الناشئة لتحسين قدراتها التنافسية وزيادة الإعتماد على التكنولوجيا الحديثة في تقديم الخدمات المالية. كما تبرز أهمية توافر الإطار التشريعي والتنظيمي والرقابي الذى يسمح بتطوير وتشغيل نماذج أعمال التكنولوجيا المالية، والذى يُمكّن السلطات الرقابية والتنظيمية من الحد من المخاطر وتوفير فرص النمو في بيئة تنافسية، مع الحفاظ على السلامة المالية والإستقرار المالي.

2. تعريف التكنولوجيا المالية

عرّف مجلس الإستقرار المالي (Financial Stability Board) التكنولوجيا المالية بأنها: 'إبتكارات مالية باستخدام التكنولوجيا يمكنها إستحداث نماذج عمل أو تطبيقات أو عمليات أو منتجات جديدة، لها أثر مادي وملموس على الأسواق والمؤسسات المالية، وعلى تقديم الخدمات المالية'. وأدت عوامل عدة إلى دفع الإبتكار في مجال التكنولوجيا المالية أبرزها التطورات في التكنولوجيا (البيانات الضخمة Big Data) ودفتر الحسابات الرقمية الموزع (Distributed Ledger Technology)، والتشفير (Cryptography)، بالإضافة إلى إنتشار الهواتف المحمولة/الذكية وإستخدام الإنترنت، والتغيّرات في متطلبات وأولويات المستهلك نحو السرعة وسهولة الإستخدام وإنخفاض التكاليف، فضلاً عن تعقيد المتطلبات التنظيمية والرقابية عمل المصارف، مثل قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وقانون FATCA، وبازل III، ومتطلبات إعرف عميلك، والعناية الواجبة. 

3. قطاعات التكنولوجيا المالية 

وفقاً للجنة بازل للرقابة المصرفية، فإن التكنولوجيا المالية مرتبطة بثلاثة قطاعات رئيسية تتعلق مباشرة بالخدمات المصرفية الأساسية وهي: 1) الإئتمان والإيداع وجمع رأس المال، 2) المدفوعات والمقاصة والتسوية، و3) إدارة الإستثمارات/الثروات. وبحسب تقرير ومضة وبايفورت، تُقسم مراحل تطوّر التكنولوجيا المالية إلى موجتين، تتضمن الموجة الأولى حلول الدفع وحلول الإقراض. أما الموجة الثانية فتشمل إدخال التكنولوجيا إلى التحويلات المالية الدولية والتأمين ((Insurtech وإدارة الثروات والإستثمارات. وهناك ظاهرة جديدة أخرى في مجال التكنولوجيا المالية هي تكنولوجيا بلوكشين (Blockchain)، وهي بمثابة دفتر رقمي لا مركزي، يتم فيه تسجيل المعاملات التي تتم في العملات الرقمية المشفرة ((Cryptocurrencies، حيث تميّز عام 2017 باقتحام العملات الإفتراضية المشفرة أسواق المال العالمية، وأكثرها جدلاً هي 'البتكوين' وهي عملة رقمية افتراضية مشفّرة باتت أشهر أدوات التداول المالي والمضاربة، لا وجود ماديّ لها، ولا تخضع لأية رقابة. 

4. الإستثمارات العالمية في قطاع التكنولوجيا المالية

وبالنسبة للإستثمارات العالمية في قطاع التكنولوجيا المالية والتي حققت نمواً سريعاً في السنوات القليلة الماضية، فقد ارتفعت قيمة الإستثمارات في التكنولوجيا المالية بما يزيد عن عشرة أضعاف في الفترة بين عامي 2012 و2015، وبلغ إجمالي التمويل العالمي لشركات الـFintech 24.7 مليار دولار في عام 2016 (13.6 مليار دولار جاء من إستثمارات Venture Capital) مقارنة مع 46.6 مليار دولار عام 2015. وبلغ إجمالي الإستثمار في شركات Fintech نحو 29 مليار دولار حتى نهاية العام 2017، عبر1,134 صفقة. كما تخطى حجم الإستثمارات التراكمي في التكنولوجيا المالية حول العالم حتى شهر تشرين الثاني 2016 مبلغ 100 مليار دولار، في أكثر من 8800 شركة، ومن المقدر أنه قد تجاوز 150 مليار دولار بنهاية عام 2017. 

5. أهمية التكنولوجيا المالية والعوامل المحفّزة لنشاطها في العالم العربي

في المنطقة العربية، لا تقتصر أهمية التكنولوجيا المالية على تحسين خدمة العملاء ورفع كفاءة تقديم الخدمات المالية وتخفيض تكاليفها ووقت إنجازها فحسب، بل يمكن للتكنولوجيا المالية أن تساهم في تحقيق أهداف أوسع وهي تنويع النشاط الإقتصادي وتحقيق الإستقرار المالي. وإن المقياس الحقيقي لنجاح التكنولوجيا المالية لا يكمن في تطوير أداة أخرى لتأمين الراحة لعملاء المصارف ولكن في مدى مساهمتها في تعزيز الشمول المالي للفئات المُستبعدة مالياً وتحسين فرص الحصول على التمويل خصوصاً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر.

6. التحديات التي تعرقل إنتشار وتوسع الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية في العالم العربي

أبرز التحديات والعوائق التي تعرقل إنتشار وتوسع الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية في العالم العربي هي صعوبة إكتساب ثقة العملاء نتيجة التخوّف من الإحتيال والقرصنة في ظل عدم وجود أطر كافية لحماية المستهلك في مجال الخدمات المالية ولا قوانين لخصوصية البيانات في الكثيرمن الدول. بالإضافة إلى عدم وجود تشريعات بشأن الجرائم الإلكترونية والأمن المعلوماتي إلا في سبعة دول في المنطقة )الجزائر ومصر وعُمان والمغرب وقطر وتونس والإمارات العربية المتحدة). وتشمل التحديات صعوبة إنشاء وإطلاق الشركات الناشئة نتيجة القوانين التي تحكم منح التراخيص لشركات الخدمات المالية، وندرة رؤوس الأموال المخاطرة التي يرتكز عليها تمويل الشركات الناشئة في التكنولوجيا المالية، إلى جانب ضعف القدرة التنافسية للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية في حال عدم تبنّيها نموذج أعمال قائم على التعاون مع المصارف العربية، نتيجة الثقة الراسخة وولاء العملاء بالقطاعات المصرفية العربية، خصوصاً في ظل توجّه المصارف العربية الكبرى نحو التطوّر في مجال التعاملات المالية الرقمية من خلال تبني استراتيجيات رقمية مبتكرة. 

7. واقع التكنولوجيا المالية في العالم العربي 

بحسب تقرير 'التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا: توجهات قطاع الخدمات المالية' الذي أطلقه مختبر ومضة للأبحاث (Wamda Research Lab) بالتعاون مع بيفورت (Payfort)، بدأت التكنولوجيا المالية (Fintech) تكتسب زخماً قوياً في عدد من الدول العربية منذ العام 2012، حيث ارتفع عدد الشركات الناشئة التي تقدّم الخدمات المالية من 30 شركة عام 2011 إلى 105 شركات ناشئة عام 2015، بحسب التقرير المذكور. وبذلك، تكون المنطقة العربية قد سجلت معدل نمو سنوي مركّب في عدد الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية بلغ 40% خلال الفترة 2011-2015، ومن المتوقع أن يرتفع عدد شركات التكنولوجيا المالية الناشئة في المنطقة العربية إلى 250 شركة بحلول العام 2020. تنتشر الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية في 12 دولة عربية، حيث تستضيف الإمارات 30 شركة ناشئة، تليها مصر (17 شركة)، وكل من الأردن ولبنان (15 شركة)، والمغرب (8 شركات)، وكل من الكويت والسعودية (6 شركات). كما يعمل ثلاث شركات ناشئة في التكنولوجيا المالية في تونس، وشركتان في الجزائر، وشركة واحدة في كل من سلطنة عُمان والبحرين وقطر. 

وحصدت الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية في المنطقة العربية إستثمارات تفوق 100 مليون دولار في السنوات العشرة الأخيرة، بين صفقات معلنة وصفقات إستحواذ وتقديرات ومضة للصفقات غير المعلنة، وكان مصدرها الرئيسي صناديق إستثمار مخاطر عالمية ومسرّعات أعمال، ومؤخراً، مصارف. وبحسب التقرير، تشكّل قطاعات حلول الدفع والإقراض الجانب الأكبر من عمل شركات التكنولوجيا المالية في الدول العربية حيث تمثّل الشركات الناشئة التي تقدّم خدمات المدفوعات والإقراض %84 من جميع الشركات الناشئة في المنطقة العربية. 

8. الفرص والمخاطر الناجمة عن نمو الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية على المصارف العربية وعن تطبيق التكنولوجيا المالية في العمليات المصرفية

نظراً لصغر حجمها ومحدودية إنتشارها في المنطقة العربية بشكل عام، لا تتصرف الشركات الناشئة على أّنها منافس مباشر للبنوك العربية، بل تسعى معظم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية في المنطقة العربية إلى الشراكة والتعاون مع المصارف. ولا يزال إختيار التكنولوجيا المالية المناسبة والتطبيق الناجح لها، يشكل تحدياً للمصارف، وخاصة تلك التي لديها 'ثقافة ابتكارية ضعيفة'، لذلك يمكن لعقد الشراكات مع الشركات الناشئة المختصة في مجال التكنولوجيا المالية، كما هو الحال في لبنان، أن يساعد المصارف على الحفاظ على حصتها السوقية، وذلك عبر تقديم منتجات مصرفية مبتكرة لعملائها. ويمكن إستعراض الفرص التي تتيحها التكنولوجيا المالية للقطاع المالي والمصرفي بما يلي: تعزيز الشمول المالي، توفير خدمات مصرفية أفضل وأكثر مُلائمة للعملاء، التأثير الإيجابي المحتمل على الإستقرار المالي بسبب تزايد المنافسة، ودور التكنولوجيا الرقابية (RegTech) في تحسين عمليات الإمتثال في المصارف. من جهة أخرى، تتضمن المخاطر الرئيسية التي قد تنجم عن تطبيق التكنولوجيا في العمليات المصرفية، المخاطر الإستراتيجية، المخاطر التشغيلية، مخاطر الإمتثال، مخاطر الاستعانة بمصادر خارجية، المخاطر السيبرانية (Cyber-risk)، ومخاطر السيولة والتمويل. 

في الختام، وعلى الرغم من تعدد فوائد التكنولوجيا المالية على عمل المصارف وتجربة العملاء، فإنه لا يمكن التوسّع في الإبتكار على حساب سلامة ومتانة المصارف، وكذلك على حساب حماية المستهلك. وضمن هذا الإطار، ينبغي على المصارف والبنوك المركزية والجهات الرقابية خلق توازن بين ظاهرة تجنب المخاطر والتوجّه العالمي نحو إبتكارات التكنولوجيا المالية والرقمنة، والتأكد من عدم تحول الإبتكارات التكنولوجية الجديدة إلى أدوات للإحتيال والقرصنة وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وعدم تهديدها للإستقرار المالي، وذلك من خلال الحفاظ على مستوى إدارة المخاطر، وعلى معايير الرقابة والحماية لقنوات التوصيل الجديدة الناشئة التي تقدمها المؤسسات المالية عبر الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية.

 

روابط سريعة
مقالات الرئيس، اعضاء مجلس الإدارة و الامين العام
خدمات استشارية عالمية في متناول الجميع
مجلة الاتحاد - العدد 468 تشرين الثاني / نوفمبر 2019
Download AML / CFT Survey 2019