Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
هل سيذهب لبنان نحو الإزدهار الإقتصادي؟ وكيف يُشارك القطاع المصرفي في ورشة النهوض؟
(الديار)-27/05/2019

بروفسور جاسم عجاقة
على الرغم من كل الأزمات التي إجتاحت وتجتاح لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية وحتى يومنا هذا، ما زال القطاع المصرفي ينمو بشكل ثابت ومُطَمّئِن ويستقطب رؤوس الأموال. اليوم وبعد وصول حجم هذا القطاع إلى أكثر من 252 مليار دولار أميركي، نرى أنه سيكون للمصارف اللبنانية دور أساسي في تمويل الاقتصاد اللبناني في المرحلة المُقبلة.
يطرح الكثير من الأشخاص عن الأسباب التي تمنع إستخدام الأموال الموجودة في المصارف اللبنانية لتمويل الإستثمارات في الاقتصاد اللبناني. وهذا السؤال مشروع وأكثر من مُحق نظرًا إلى أن لبنان يقوم بمجهود هائل في تحضير موازنة تقشّفية طالت بعض شظاياها موظفي القطاع العام، وذلك بهدف الحصول على 11 مليار دولار أميركي من مؤتمر سيدر.
دور المصارف كما تنصّ عليه النظرية الاقتصادية، هو تمويل الاقتصاد في شقّيه الإستثماري والإستهلاكي (أي القطاع الخاص بالدرجة الأولى).
الاقتصاد اللبناني هو من الإقتصادات التي تتموّل من القطاع المصرفي Banking Sector Dominated Economy) ) بحكم أن الزيادة في الدخل الفردي تُترجم بإرتفاع حجم الودائع في المصارف التي تمتلك قدرة تسليفيّة عالية تسمح لها بتمويل الإستثمارات في الإقتصاد، على عكس الإقتصادات المُتطوّرة التي تتموّل من الأسواق المالية (Financial Sector Dominated Economy) بحكم أن الزيادة في الدخل الفردي في هذه الحالة تدفع في إتجاه تمويل الأسواق المالية التي بدورها تُموّل الاقتصاد ويعود السبب إلى أن زيادة الدخل تدفع إلى زيادة الطلب على الخدمات المُتطوّرة التي تؤمنها الأسواق المالية.
في لبنان أدّى ضعف بورصة بيروت إلى عجزها عن إستقطاب الزيادات الكبيرة في الدخل الفردي للمواطن اللبناني كما ومدخول الشركات. وتعود أسباب هذا الضعف إلى:
أولا - ضعف القوانين المرعية الإجراء والتي منعت القيام بالعديد من العمليات المالية في البورصة وحدّت من دخول الشركات إلى بورصة بيروت بهدف تداول أسهمها.
ثانيًا - البيروقراطية الإدارية للقطاع العام التي جعلت القرارات المالية للبورصة تتعلّق بتعقيدات القرار الإداري العام بحكم أن بورصة بيروت ليست شركة خاصة.
ثالثًا - ضعف البنية الإقتصادية اللبنانية والتي حدّت من عدد الشركات التي تستوّفي شروط الدخول إلى بورصة بيروت.
رابعًا - الأزمات الأمنية والسياسية التي مرّ بها لبنان على مدى سنين والتي حدّت من شهية الإستثمار في القطاع الخاص.
قام الباحث الاقتصادي «Kunt» في العام 2011 بإعطاء آلية مُفصّلة لتمويل الاقتصاد من خلال المصارف. وتنص هذه الآلية على أن إستمرار النمو في إقتصاد معين، يجعل الإنتاج يتعلق بنسبة أقل بتقلبات القطاع المصرفي وبنسبة أكبر بالأسواق المالية.
إلا أن الباحثين «Kharroubi» و«Cecchetti» قاما في العام 2012 برسم العلاقة التي تربط نمو الاقتصاد في الإقتصادات التي تتموّل من المصارف مع حجم القطاع المصرفي. وتوصّلا إلى تحديد علاقة على شكل حرف «U» مقلوب.
تفسير هذا العلاقة هو التالي: يُساهم القطاع المصرفي في تمويل الاقتصاد بشكّلٍ فعّال حتى يصل إلى حجم مُعيّن (أطلق عليه Critical Size ) وعند تخطّي هذا الحجم يُصبح تأثير ارتفاع حجم القطاع المصرفي على النمو سلبيا!
ماذا يعني هذا الأمر في حالة لبنان؟ في الواقع لم يقم الباحثون بدراسة حالة بلدان مُشابهة لحالة لبنان. وإذا كانت العلاقة بين حجم القطاع المصرفي اللبناني والنمو الاقتصادي تحترم العلاقة التي أقرّها العالمين، إلا أنه لم يأخذوا بعين الإعتبار عاملين أساسيين هما السبب الأساسي في تراجع النمو مع إزدياد حجم القطاع المصرفي:
العامل الأول مُرتبط بالتطور السلبي للأحداث السياسية والأمنية في لبنان مع بدء الأزمة السورية والتعطيل السياسي شبه الكامل الذي تبع هذه الأحداث كما والتفجيرات التي طالت لبنان في العام 2013 وأول العام 2014.
العامل الثاني مُرتبط بحاجة الدوّلة إلى التموّل نتيجة العجز المُزمن في موازناتها والتي أدّت إلى ارتفاع الطلب على الأموال. وبالتالي إتجهت الدوّلة نحو المصارف لتتموّل مما حرم القطاع الخاص من الأموال وبالتالي إنخفضت الإستثمارات.
هذين العاملين هما التبرير الأساسي لإنخفاض نسبة نمو الاقتصاد اللبناني منذ العام 2011 وحتى يومنا هذا.
الاقتصاد اللبناني هو إقتصاد غير مُتطوّر ويعتمد بالتمويل على المصارف اللبنانية. وبالنظر إلى الأرقام نرى أن نرى أن حجم القروض التي أعطتها المصارف اللبنانية إلى القطاع الخاص وصلت إلى 57 مليار دولار أميركي أي أعلى من الناتج المحلّي الإجمالي مقارنة بـ 17 مليار د.أ في العام 2004 أي بزيادة 237%. وهذا الأمر يُظهر أن المصارف موّلت القطاع الخاص بنسب هي من الأعلى عالميًا.
كما قامت المصارف اللبنانية بإقراض القطاع العام أكثر من 33 مليار دولار أميركي مع قمّة وصلت إلى 38 مليار دولار أميركي في العام 2015!
إذًا مما تقدّم نرى أن المصارف قامت بتمويل الاقتصاد وتمويل القطاع العام الذي من المفروض أنه (أي تمويل الدوّلة) مُهمّة طارئة غير منصوص عليها في النظرية الاقتصادية. مما يعني أن المصارف اللبنانية قامت بما هو مطلوب منها في هذا الإطار.
لكن مع حجم وصل إلى 252 مليار دولار أميركي، لماذا لا يتمّ زيادة القروض إلى القطاع الخاص؟ إن ارتفاع نسبة المخاطر على النشاط الاقتصادي وتعثّر المشاريع الإستثمارية يلعب دوّر أساسي في تخفيف المصارف للقروض المُعطاة إلى القطاع الخاص. ولا يُمكن (بحسب النظرية المالية) إقراض المزيد من الأموال إلا إذا عمدت الحكومة اللبنانية إلى تحسين البيئة الاقتصادية لكي تكون إحتمالات نجاح الإستثمارات مُرتفعة مما يُقلّل من نسبة المخاطر.
الجدير ذكره أن القسم الأكبر من حجم القطاع المصرفي هي ودائع يمتلكها مودعون وبالتالي فإن المصارف مؤّتمنة على هذه الأموال وتعاميم مصرف لبنان على هذا الصعيد كثيرة وقاسية.
وجود قطاع مصرفي بهذا الحجم هو أمر تسعى إليه مُعظم الدوّل بحكم أن حجم الحسابات التوفيرية (saving Accounts) تحدّد القدرة الذاتية الإستثمارية للبلد المعني. وفي حال لبنان أصبح تعرّض المصارف التجارية للقطاعين العام والخاص مُرتفعًا جدًا (92 مليار د.أ) وبالتالي لا يُمكن المُخاطرة بأموال المودعين ما دامت البيئة الاقتصادية تُعاني من مشاكل جمّة تزيد من نسبة المخاطر.
هذا الأمر يفرض على الحكومة الأخذ بعين الإعتبار أن تحسين بيئة الأعمال هو الشق الأساسي الذي يجب العمل عليه لأن الإستثمار في الاقتصاد هو الوحيد الذي يُمكن أن يؤمّن النمو ولا يوجد إقتصاد في العالم إستطاع تسجيل نمو إقتصادي من دون إستثمارات في الإقتصاد.
ولعل هذا الأمر هو الذي دفع حاكم مصرف لبنان منذ العام 2013 إلى تخصيص رزم تحفيزية سنوية بقيمة مليار دولار أميركي خصّصها للقطاعات الإنتاجية وللقطاع السكني. وتُشير حساباتنا إلى أن كل مليار دولار أميركي ضخّها مصرف لبنان في الاقتصاد اللبناني من خلال هذه الرزم كانت تؤدّي إلى نمو إقتصادي بين 0.8% و1%.
الإقتصاد اللبناني يحتاج إلى أكثر من 30 مليار دولار أميركي إستثمارات على مدى أكثر من عشر سنوات. وأهمية أموال مؤتمر سيدر على هذا الصعيد تكمن في أن الدوّل المانحة فرضت إصلاحات إقتصادية ومالية وإدارية على الحكومة اللبنانية لم تستطع المصارف اللبنانية ولا مصرف لبنان فرضها على الحكومة. من هذا المُنطلق نرى أن الفترة المُقبلة وبعد إقرار مشروع موازنة 2019 وبدء توافد أموال مؤتمر سيدر، سيكون للمصارف اللبنانية دور أساسي في تمويل الإقتصاد وهي المُتعطّشة إلى تمويل الفوائد على الودائع من النشاط الاقتصادي وليس من إيرادات الفوائد على سندات الخزينة.

روابط سريعة
مقالات الرئيس، اعضاء مجلس الإدارة و الامين العام
خدمات استشارية عالمية في متناول الجميع
مجلة الاتحاد - العدد 464 تموز / يوليو 2019
Forum