Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
نفير إعادة الإعمار تم إطلاقه دولياً
العدد 461

«نفير» إعادة الإعمار تم إطلاقه دولياً

والكلفة تصل إلى 400 مليار دولار وسط تحديات كبيرة

كما دقت الطبول منذ 8 سنوات في سوريا إيذانا ببدء الحرب، ينطلق اليوم نفير إعادة الإعمار بعد إنتهاء العمليات العسكرية في معظم الاراضي السورية، وإعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب بأن دول الخليج ستكون مساهماً أساسياً في تمويل إعادة الإعمار، في الوقت الذي كشفت فيه كل من روسيا والصين وإيران عن «زنودها» معلنة أن لديها القدرة والإمكانات على المساهمة بحصص وازنة في إعادة الإعمار، كونها لعبت دوراً مهماً (وخصوصاً روسيا وإيران) في العمليات العسكرية، وسيكون لها مكانتها في العملية السياسية، ورسم موازين القوى فيها.

 

لا شك في أن ثماني سنوات من العمليات العسكرية، كان لها نتائجها الكارثية على المواطن والإقتصاد السوري ودول الجوار، لذلك يُطرح سؤال أساسي عن ظروف هذه العملية ودور لبنان بالتحديد في إعادة الإعمار، وعمّا إذا كان مبلغ 400 مليار دولار هو الرقم الحقيقي لإعادة إعمار سوريا؟ وهل المجتمع الدولي قادر على تأمين هذه الكلفة في ظل الأزمات المالية والاقتصادية التي تعانيها العديد من دول العالم؟ وهل يُمكن البدء في عملية إعادة الإعمار قبل إنجاز الحل السياسي، في ظل تحذير من أكثر من مسؤول دولي بأن التباطؤ في إعادة الإعمار سيكون له تداعيات إجتماعيةوإقتصادية على سوريا؟ فيما السؤال المحوري هو ما هي الآليات المالية والإقتصادية التي يجب إعتمادها في ظل العقوبات الغربية المفروضة على سوريا، وعلى بعض الدول التي تريد المشاركة في الإعمار (روسيا وإيران)؟

بلغة الارقام، إن الإقتصاد السوري تضرّر بشكل كبير، جراء الحرب الطاحنة، حيث إن الناتج المحلي الإجمالي السوري إنهار منذ العام 2011 مع إنكماش 25 % في عامي 2012 - 2013، وفي العام 2014 سجلّ الإقتصاد السوري ركوداً مع بدء تغيّر المعادلات العسكرية على الأرض ليُعاود في العام 2015 إنكماشه بنسبة 10 %، وفي العام 2016 سيطر الركود على الإقتصاد، كذلك كان الحال في العام 2017.

فبحسب مركز بحوث أميركي، تقلصت الصادرات السورية بنسبة 80 % من القيمة الحقيقية بين العامين 2010 و2015، ويعود ذلك إلى تراجع الصادرات البترولية مع وقوع العديد من الآبار تحت سيطرة داعش، مما أثر كثيرًا على الصادرات بحكم أنها كانت تُشكّل 50 % من إجمالي الصادرات و30 % من مداخيل الدولة.

كما أن المُدن الرئيسة تدمّرت بشكل كبير، وطالت الأضرار البنى التحتية والمصانع والمحاصيل الزراعية والمناجم، وتوقفت الخدمات في معظمها، وتحوّل الإقتصاد السوري من إقتصاد دولة إلى إقتصاد غير رسمي.

د. وزني: الخطوة الأساسية في إعادة الإعمار بدأت بإنتظار حل الوضع السياسي بشكل نهائي

كل هذه الخسائر تُحفز على البحث عن الكلفة الحقيقية لإعادة الإعمار، وفي هذا الإطار يقول الخبير الإقتصاديالدكتور غازي وزني «إن لا أرقام دقيقة حول كلفة إعادة إعمار سوريا، لأن هذا الرقم خاضع دائماً للتعديل، لكن لا شك في أن الأرقام الفعلية والحقيقية تفوق 300 مليار دولار، علماً أن عملية إعادة إعمار سوريا تواجه تحديات كبيرة، أولها التمويل، لأنه بحسب ما أعلنت الولايات المتحدة الاميركية، فإن الجزء الاكبر منه يجب أن يتم تغطيته من قبل دول الخليج، بالإضافة إلى دعم مؤسسات مالية دولية. أما التحدي الثاني فهو التحدي السياسي، لأنه لا بد من الاخذ في الإعتبار وضع النظام السياسي في سوريا، وتأثير ذلك على تمويل الإعمار، أو على الشركات التي ستدخل في صلب هذا التمويل، من هنا نرى أن إعادة إعمار سوريا بدأت في خطواتها الأولية، وبتنا نسمع أن هناك شركات عالمية وعربية وخليجية قدمت عروضاتها على سوريا، وهناك شركات بدأت تهتم بالمستلزمات اللوجستية على الارض، لأن القرار السياسي الدولي سيكون له دور في توزيع الحصص في عملية إعادة الإعمار، إضافة إلى الدور السياسي الذي ستلعبه الجهات الممولة لإعادة الإعمار، ويمكن القول إن الخطوة الاساسية في إعادة الإعمار بدأت بإنتظار حل الوضع السياسي بشكل نهائي».

ويضيف د. وزني: «هناك ضبابية حول مستقبل سوريا السياسي، وكيفية توزيع الحصص، بالإضافة إلى عدم إستتباب الوضع الامني بشكل كامل، وما يُمكن قوله إن قرار إعادة الإعمار اتخذ دولياً، وتم التوافق على إحدى وسائل التمويل، أما حصص إعادة الإعمار فتوزعت، لكن يلزمها المزيد من الوقت للإنطلاق جدياً».

د. وهبه: الهدف من الحرب يحمل أبعاداً عدة والإقتصاد يأخذ حيّزاً كبيراً

يوافق الخبير الاقتصادي والاستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية الدكتور محمد وهبه، على أنه «لا يوجد كلفة نهائية لإعادة إعمار سوريا، ويتم تدول كلفة بحدود 400 مليار دولار للإعمار، رغم أنه في بداية العام 2018 تم الإعلان عن تكلفة تبلغ 250 مليار دولار، ومن ثم، أشار البنك الدولي إلى قيمة إستثمار تُقدر بأكثر من 200 مليار دولار لفترة 10 سنوات مقبلة لإعادة الإعمار، ووفقا للأمم المتحدة، فتُقدّر كلفة إعادة بناء 45 % من سوريا بحوالي 388 مليار دولار، مما يعني أن الكلفة الكلية قد تكون بحدود 862 مليار دولار، إذ بالإضافة إلى البنية التحتية والمصانع والمستشفيات ومحطات إستخراج الكهرباء والغاز والنفط، فإن مدناً مثل حمص والرقة تدمرت بنسبة 90 %، فضلاً عن حلب التي دمرت بنسبة 45 %. علماً أن هذا المبلغ هو فقط لعملية إعادة البناء من دون الدخول في عملية تطوير وتوسيع البنية التحتية، في وقت تشير بعض الدراسات إلى أن هذا الرقم قد يصل الى ما بين 1000 مليار دولار و1200 مليار، عند الكشف على المناطق التي لا يُمكن الدخول إليها حالياً نتيجة إستمرار المعارك الدائرة فيها».

ويضيف د. وهبه: «هذه الأرقام ترد في ظروف الأزمات المالية الدولية التي تحتاج إلى تمويل يعيد إحياء الإقتصاد الرأسمالي، والذي لم ينهض من الأزمة المالية في العام 2007. فالأزمات في التجربة الإقتصادية هي الدافع الفعلي للحروب، وإن كان الهدف من الحرب يحمل أبعاداً عدة في منطلقه على سوريا، إلا أن الإقتصاد يأخذ حيّزاً كبيراً».

وتابع د. وهبه: «بعدما إنقشعت المعركة، وإن بقي القليل من الغبار في ساحتها، يتم البحث تلقائياً عن نموذج تمويلي لوضع عجلة الإعمار قيد التنفيذ، لتستفيد الشركات المتعددة الجنسيات من التشغيل من جهة، وللسيطرة على القرار المالي من جهة ثانية، بعد أن تُثقل الديون كاهل الشعب والوطن بعدما أنهكته الحرب، لقد بدأت فعلياً عملية الإعمار بعد عودة الإستقرار الأمني الى معظم المدن، حيث إستعاد النظام سيطرته على أكثر من 90 % من الأراضي. وأنه إستناداً الى إحصاءات لجنة إعادة الإعمار في سوريا، يوجد دمار كبير لحق بالطرق والشبكات والبنى التحتية فهناك 1,2 مليون منزل متضرر بشكل كامل أم جزئي بكلفة تُقدّر بـ 28 مليار دولار، وأكثر من 5500 مدرسة متهدمة، و60 % من المرافق الصحية متضررة أو معطلة بما فيها 194 مستشفى، بالإضافة الى دمار المصانع والمنشآت، بنسبة 90 %، في وقت تُقدر قيمة الأضرار العامة المباشرة التي لحقت بالوزارات والجهات العامة فقط وحتى نهاية العام 2019 بحوالى 6 مليارات دولار، ولا بد من إعمار المنازل لعودة المهجرين الى حضن الشرعية السياسية والتي يحاول الغرب أن يمنعها قبل التوافق على المصالح في توزيع الكعكة الإعمارية».

مفاعيل تأخير إطلاق الإعمار

يعتبر الخبراء، أن الخطة الإقتصادية التي يتوجّب وضعها، تتمحور حول العوامل الإنتاجية من بنى تحتية وقطاع أوّلي وقطاع ثانوي وخدمات، وتفرض التغيرات التي عصفت بسوريا خلال الحرب، أن تأخذ الخطة في الإعتبار هذه التحوّلات، وعلى رأسها التنظيم المُدني والفرق بين المدينة والريف الذي كان موجوداً قبل الحرب. أما القطاعات التي يتوجب إعادة إحيائها فهي: العقارات، القطاع الصناعي، قطاع الخدمات، الخدمات العامة، النقل والإتصالات، الزراعة، الخدمات المالية. ويُحذر هؤلاء الخبراء من التباطؤ في عملية إعادة الإعمار لما لذلك من إنعكاسات سلبية على سوريا ودول الجوار، وكل هذه الأفكار تحتاج إلى تحرك لوجستي سريع على الأرض، إذ تتصاعد التحذيرات من قبل مسؤولين سياسيين وإقتصاديين دوليين من التباطؤ في عملية الإعمار لما لذلك من تأثير سلبي على سوريا ودول الجوار.

في هذا الإطار يقول د. وزني: «من الطبيعي، أن يحصل تباطؤ في عملية إعادة الإعمار، لكن الأهم هو أن الحرب إنتهت، بغض النظر إن كان سيبقى الرئيس بشار الاسد في السلطة أم لا، وما هو البديل. اليوم هناك تفاهم دولي بأن الازمة السورية بدأت بالإنحسار فعلياً، وتقارير المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي تتكلم عن إنحسار الازمة السورية، وإنعكاس هذا الإنحسار على دول الجوار، وأننا بتنا في مرحلة ما بعد الأزمة السورية».

يضيف د. وزني: «لا شك في أن لبنان والأردن والعراق، قد تأثرت بشكل كبير في الأزمة السورية، على الصعيد الإستثماري في المنطقة وخصوصاً في لبنان، لأن الأزمة العسكرية والأمنية في سوريا خلقت أجواء عدم إرتياح في دول الجوار وخصوصاً في لبنان والاردن، وإنعكس على داخل هذه البلدان على صعيد الإستثمارات. وهذا ما أدى إلى تراجع الحركة الإستثمارية في لبنان بسبب الأجواء غير المستقرة في سوريا، ومن تبعات الأزمة السورية على لبنان أيضاً هي شل العلاقات بين لبنان ودول الجوار بسبب إقفال المعابر، وأيضاً النزوح السوري في المنطقة، وخصوصاً أن أفق المعالجة السريعة لهذا الملف غير متوافرة».

ويتابع د. وزني: «رغم الخطوات التي يقوم بها لبنان في هذا الملف لكنها تبقى محدودة المفاعيل، لأنه لدينا مليون ونصف مليون نازح سوري، وعودة هؤلاء إلى بلادهم في هذه الفترة ليست بالأعداد الكبيرة، من هنا من المتوقع أن تستغرق هذه العودة سنوات، ولا سيما أن دول الغرب غير مستعجلة لهذه العودة السريعة، لأنهم يقلقون بأن تؤدي هذه العودة السريعة ، في حال تمت بشكل غير ملائم، أن تؤدي إلى هجرة معاكسة نحو أوروبا، وخصوصاً أن هذه الدول التي قبلت في السنوات الاخيرة بإستقبال النازحين، دفع رؤساء هذه الدول الثمن سياسياً، وهذا ما حصل مع ألمانيا مثلاً. لذا فإن أولوية هذه الدول هي بقاء النزوح السوري في أماكنه».

من جهته يقول د. وهبه: «إن الضغوظ الغربية، تُحاول أن تستغل النازحين للضغط على النظام في سوريا، وعلى الدول المحيطة، ليتم بنظرنا تحضيرهم كمعارضين من المنفى للنظام الحالي ويكون مدعوماً مالياً ولوجستياً. لذا من الضروري بدء الإعمار دون تأخير، وخصوصاً بما يتعلق بمشاريع السكن والخدمات الاساسية. والضغط الروسي على ​أوروبا​ والبنك الدولي للحصول على الأموال اللازمة للإعمار، يقابله عرقلة لتلك المساعي من قبل الأميركيين، وذلك من خلال فرض الولايات المتحدة على المملكة العربية السعودية تمويل الإعمار، رابطة عملية التمويل بشرطين: الأول يكون بتحقيق الحل السياسي الذي يُرضي المعارضة، والثاني الإنسحاب الكامل للقوات الإيرانية أو الدائرة في فلكها. لذا دعت روسيا في بداية العام 2019 للبدء فوراً في إعادة إعمار سوريا، كي لا تدخل متغيرات على خط الإشتباك وقد تطيح تغيّراته الواقع الراهن».

يضيف د. وهبه: «يُمكن تقسيم الإعمار ما بين أساسية ورديفة وإنمائية، فإعادة بناء المساكن التي تدمرت في سوريا حاجة أساسية فصيرة المدى، على الصعيدين السياسي والإجتماعي بهدف إعادة المهجرين، وتُعتبر الهجرة السورية أكبر هجرة بعد الحرب العالمية الثانية، فإن13 مليون سوري نزحوا منذ إشتعال الحرب في العام 2011، وهو ما يمثل حوالي 60 % من عدد السكان قبل الحرب، وخصوصاً أن أكثر من ستة ملايين و300 ألف سوري، أي حوالي 49 % من عدد المهجرين قد نزحوا داخلياً ويُفترض إيواؤهم، بغض النظر عن الحل السياسي. فالسكن أولوية، ونعتقد بضرورة الإنطلاق من هذا العنصر الأساسي، رغم إعتقادنا بأهمية أن تستمر فترة الإعمار لفترة زمنية، بما يتعلق بالمشاريع الرديفة، فالوقت الإضافي يسمح للمجتمع بتقبل عملية ضخ الإستثمار وبالتكيُّف معها، حيث سيتطلب شراء السلام الإجتماعي عدد طويل من السنوات لبناء النفوس، والمحافظة خلال هذه الفترة على فرص العمل».

الإعمار والعقوبات

السؤال الذي يُطرح هو: كيف يُمكن إعادة الإعمار في ظل العقوبات الدولية، يجيب د. وزني: «إن القرارات لإعادة الإعمار لا تزال غير واضحة، والولايات المتحدة أعلنت أن دول الخليج هي مَن سيكون مسؤولاً عن إعادة الإعمار، والآلية المطلوبة هي تأسيس صندوق لإعادة الإعمار، ويتم تمويله بمساهمات الدول وتودع المشاريع، ومن الطبيعي ان الدول التي ستُساهم في التمويل سيكون لها حصة في المشاريع التمويلية عبر شركاتها، وإلى الآن، لم تتبلور الفكرة، ولكن الأساس هو إنشاء صندوق يخضع لرقابة المؤسسات المالية الدولية والدول الأعضاء المشاركة في إعادة الإعمار. ولا شك في أن توزيع المشاريع سيتم وفق المحاصصات السياسية بحسب نفوذ الدول».

من جهته يلفت د. وهبه إلى «أن الرئيس السوري حدد في حزيران 2018 مصادر الأموال التي يمكن أن تُسهم في عملية إعادة الإعمار في سوريا، دون مشاركة الدول الأوروبية، وأنه يمكن الحصول على القروض من روسيا وإيران، ومن السوريين الذين يعيشون في الخارج. وقد شهدت الأيام الاخيرة من العام 2018 توقيع سوريا و​إيران​، إتفاقية​التعاون الإقتصادي​الإستراتيجي طويل الأمد، هذه الاتفاقية تُقيم تعاوناً شاملاً على المستوى المالي والمصرفي، مما سيُتيح فرصة كبيرة للشركات الإيرانية، لأن تكون حاضرة في مجال الإستثمار في سوريا، كما تم توقيع مع إيران وروسيا إتفاقيات عدة لتحسين إنتاج الكهرباء وتوزيعها في سوريا في المناطق التي دمرتها الحرب. وتشمل الإتفاقيات التجهيزات، وشبكة الهاتف،​ ومحطات ​توليد الكهرباء​. وتشمل المشاريع المقترحة والمقدرة بمئات الملايين من ​الأورو​، بناء محطة توليد كهرباء جديدة في اللاذقية (شمال شرق سوريا) بقوة 450 ميغاواط، وبناء وإصلاح محطات حرارية في بانياس وحلب وحمص، وإستغلال منجم ​الفوسفات​ جنوبي سوريا، ورخصة شبكة هاتف جوال، وإقامة ​مرفأ​ نفطي بحري».

يضيف د. وهبه: «إن التمويل الأميركي وفرضه على السعوديين هي محاولة لوضع اليد على مشاريع الإعمار الكبيرة. بدليل أن دول أوروبية كثيرة تتعامل مع إعادة إعمار سوريا بإهتمام وجدية، لكن التلويح الأميركي بالعقوبات يعوق أحياناً مسارها. مع الاشارة الى الدور الصيني في الإستثمار في إعادة الإعمار، حيث تستثمر الصين أكثر من ملياري دولار في الصناعة السورية، بعدما أُضيفت سوريا في المشروع الإقتصاديالإستراتيجي الكبير لطريق الحرير الجديد الذي يضم 60 دولة بميزانية تبلغ تريليون دولار».

ويتابع د. وهبه: «كمبادرة تسلمت سوريا في تشرين الثاني 2018 منحة بقيمة 12 مليون أورو من المحولات الكهربائية الصينية المجانية. ونرى مصلحة لسوريا رغم قدرتها على الإستدانة من الخارج، فلا مصلحة لها بتمويل إعادة الإعمار من خلال الهيئات والمنظمات الدولية، فهناك أثمان سياسية، ولكن الأولوية هي بحشد وتوظيف كامل الطاقات الداخلية والذاتية في عملية إعادة الإعمار، وسوريا تمتلك القدرات الكثيرة رغم كل ما أصابها لتستطيع أن تُعيد إعمار ما دُمر. الإعتماد على القوى الصديقة والحليفة والشركات التي تود الإستثمار الطويل الأجل. فالقوى مثل روسيا والصين وإيران تقدم خدمات عبر شركاتها وليس عبر التمويل المباشر، وتستطيع أن تحقق ذلك على الأرض، وتدفعها دوافع سياسية وتحالفية مهمة تدفع بها لأن تكون جدية بشكل كبير، ولا سيما أن هؤلاء الحلفاء يمتلكون القدرات التقنية والإمكانيات المالية اللازمة سواء على مستوى الطاقة، أو على مستوى البنى التحتية، أو مستوى المنشآت وكامل مشروع إعادة الإعمار».

لبنان ودول الجوار وإعادة الإعمار

لا شك في أن العلاقة التاريخية والجغرافية بين لبنان وسوريا هي الدافع الأساسي لمُشاركة لبنان في إعادة إعمار سوريا، وخصوصاً أن للبنان حصّة كبيرة في تحمّل أعباء الأزمة السورية مع أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري في لبنان، والضرر على الإقتصاد اللبناني الذي شكّله هذا النزوح الهائل نسبة إلى الحجم الصغير للإقتصاد اللبناني.

في هذا الاطار يقول د. وزني: «من الطبيعي أن أزمات دول الجوار بدأت مفاعيلها الاساسية بسبب الأزمة السورية. معالجة هذه الأزمة يعني إنفراج في المناخ العام لهذه الدول، وعلى صعيد فتح المعابر الدولية، وهذا الإرتياح، لا شك في أنه سينعكس إيجاباً على إقتصادات الدول، ويشجع الإستثمارات، ويُعيد الزخم للسياحة، ويُعيد اللُحمة بين الدول العربية بعد الشرخ الذي أصابها نتيجة الازمة، وهذا ما حصل على صعيد إعادة فتح السفارات في دمشق، وهذا يشكل عاملاً إيجابياً على صعيد المناخ العام للمنطقة والعلاقات العربية – العربية. فالأزمة السورية أدت إلى إنقسام وسجالات بين الدول العربية، ومعالجة الازمة السورية وفتح المعابر يؤدي إلى حل هذه التداعيات، وإعادة تعزيز العلاقات».

أما د. وهبه فيشير إلى «أن المشاريع في علم الاقتصاد، تشكل فرصة بالنسبة إلى المستثمر. لذا نشاهد تصاعد وتيرة التقارب الخليجي والعربي والدولي مع سوريا، ومع التقارب هذا، برز العديد من تعارض المصالح الدولية، وخصوصاً أن الأرقام الإستثمارية المطروحة لإعادة الإعمار في سوريا كبيرة ولفترات طويلة، في فترة تعاني العديد من الشركات من نضب المجالات الاستثمارية. فروسيا تضغط على مجموعة الدول الغربية، في شأن تمويل جهود إعادة الإعمار في سوريا لإعادة 1.7 مليون لاجئ سوري من دول الجوار. وقد تم تشكيل لجنة من روسيا والأردن وتركيا ولبنان لوضع خطة إعادة اللاجئين من هذه البلدان كمرحلة أولى. لكن الدول الأوروبية الكبرى والولايات المتحدة قدمت رؤية مضادة تستند إلى ورقة معايير الأمم المتحدة، وتضيف إليها عدداً من الشروط، أبرزها أنه لا توفير أو تسهيل لأية أموال تخص إعمار سوريا إلا بعد التوصل إلى تسوية سياسية تتسم بالشمول والديمومة، وعدم الرجوع عنها، وأن يتم ذلك برعاية أممية ومن خلال أجهزة الأمم المتحدة».

يضيف د. وهبه: «إن المنظمات الدولية المعنية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وصناديق المساعدات التابعة للدول الكبرى، ترى الأمر من زاوية مختلفة نسبياً، إذ تشترط إلى جانب بدء عملية سياسية جادة، أن تكون هناك مجموعة من التشريعات الخاصة بالإستثمار في سوريا، وتشريعات أخرى تُحدد آليات فض المنازعات بين الحكومة والجهات المستثمرة، وأن تضع الحكومة السورية نصب أعينها أولوية بناء الكوادر والمهارات البشرية المحلية للمشاركة في عمليات الإعمار. مما لا شك فيه أن عام 2019 سيكون عام عودة العلاقات الأوروبية السورية، وفيها مصلحة مشتركة لكلٍ من سوريا وأوروبا. فالسوريون يحتاجون إلى أموالٍ لإعادة الإعمار، وتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا والتي تعوق القدرة على تحقيق التقدّم الإقتصاديوالإجتماعي،.أما الأوروبيون فيحتاجون إلى إعادة جزء من اللاجئين. وكافة البلدان المحيطة بسوريا ستستفيد من إعادة الإعمار، مثل: تركيا، الأردن، ولبنان. فتركيا تحتكر المشاريع في المناطق التي تسيطر عليها، والأردن أعلن رغبته في المشاركة في الإعمار، داعياً إلى إنشاء تحالفات إقليمية».

ويخلص د. وهبه إلى القول: «أما لبنان، فيُمكنه من خلال إعادة الإعمار في سوريا إنقاذ العديد من قطاعاته التي تقترب من الإنهيار، وذلك عبر إيجاد فرص عمل، وخصوصاً حيال العاملين الذين صُرفوا من بلدان الخليج بعد إنحسار المشاريع. ويُمكن لشركات البناء، وهي شركات مهمة ومعروفة عالمياً الإستفادة بعد تراجع قطاع البناء في لبنان. كما يُمكن الإستثمار في عدد من القطاعات منها الفنادق والمطاعم والمدارس والجامعات والمعامل. بالإضافة الى القطاع المصرفي اللبناني، وهو من أكثر القطاعات التي يمكنها أن تنشط في سوريا. لكن لبنان يبقى أسير القرارات الأميركية والتي هددت بداية العام 2019 بفرض عقوبات على لبنان في حال المُشاركة في إعادة إعمار سوريا، ولا نعلم ما إذا كان لبنان سيخسر فرصة ذهبية أُخرى في تحقيق مصلحته الإقتصادية والإنمائية».Ô

باسمة عطوي

 

روابط سريعة
مقالات الرئيس، اعضاء مجلس الإدارة و الامين العام
خدمات استشارية عالمية في متناول الجميع
مجلة الاتحاد - العدد 464 تموز / يوليو 2019