Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
القروض السكنية في لبنان معضلة.. والنقاش طويل
العدد 457

القروض السكنية في لبنان معضلة.. والنقاش طويل

وزنة: القطاع المصرفي لن يقتنع بديمومة

وإستمرارية القروض المدعومة عبر الموازنة العامة

يشوعي: يجب توحيد سوق الإيجار بطريقة سلسة

وتعزيزه لتخف لدى اللبنانيين الرغبة بالتملك

أقرّ مجلس النواب اللبناني في 23 أيلول/سبتمبر الماضي، الاقتراح القاضي بدعم الفوائد على القروض السكنية لذوي الدخل المحدود بعد نقاش طويل، واعتبر بعض النواب خلاله أن «مبلغ مئة مليار دعم سنوياً على مدى خمس سنوات غير كافية» ورغم تطمينات وزير المال علي حسن خليل وشرحه المستفيض لأسباب الأزمة، بقي نواب على مواقفهم إلى أن تمّ التصويت على المشروع وإقراره.

هذا السجال الدائر في لبنان حول معضلة القروض السكنية التي ظهرت ملامحها في شباط 2018، تحفز على البحث عن طبيعة المخالفات التي قامت بها بعض المصارف اللبنانية، والتي تمّ إلقاء الضوء عليها من خلال بيان صدر عن مصرف لبنان المركزي، وعما إذا كانت السبب في الدوامة التي تعيشها شريحة واسعة من اللبنانيين هي بسبب عدم وجود سياسة إسكانية، وعما تغير حتى إنسحب مصرف لبنان من هذا الدور، وهل بات ضرورياً إحداث تغييرات في آلية الرقابة على المصارف بعد كل ما حدث.

وزنة: تهديد الإستقرار النقدي في مصرف لبنان دفعه إلى وقف القروض الإسكانية

في البداية لا بد من التنويه إلى أن المواطن اللبناني، إستفاد من القروض السكنية المدعومة بأشكال عديدة تختلف بتفاصيلها ومكوّناتها، إلا أن مصادر تمويلها واحدة ويعبّر عنها بواسطة آليات الدعم التي تحدّد الكلفة النهائية على المستهلك. من بين المكوّنات «قروض المؤسسة العامة للإسكان» التي تحصل على دعم من مصرف لبنان، لكنها تمرّ عبر بروتوكول موقَّع بين المصارف والمؤسسة العامة للإسكان، وينصّ هذا البروتوكول على أن القرض يقسم إلى فترتين زمنيتين متماثلتين، في الفترة الأولى يدفع المقترض أصل القرض للمصرف، فيما تدفع المؤسسة عنه الفائدة، وفي الفترة الثانية يدفع المقترض للمؤسسة ما سدّدته عنه للمصرف مضافاً إليه الفوائد.

ومن أشكال الاستفادة أيضاً قرض «مصرف الإسكان»، وهو يختلف عن قرض «المؤسسة العامة للإسكان»، سواء بطريقة السداد أو فترة الدفع وطريقة احتساب أصل المبلغ والفائدة، لكنه يشبه إلى حدّ كبير ما يسمى «قروض مصرف لبنان» بإستثناء نسبة الفائدة التي تعدّ أدنى لدى «مصرف الإسكان»، كما أن هناك عدداً من البروتوكولات الموقعة بين المصارف والجيش، أو ما يعرف بـ «إسكان العسكريين»، مثله مع قوى الأمن الداخلي وأمن الدولة والأمن العام والجمارك وصندوق تعاضد القضاة والمحاكم الشرعية، وتحصل جميعها على دعم مصرف لبنان عبر إعفاءات أو عبر تمويل مدعوم، وهي لا تختلف عن باقي البروتوكولات بتفاصيلها ولا بنسبة الفائدة على المقترض، لكنها تختلف عن قرض المؤسسة العامة وقرض مصرف لبنان.

 ما حصل في العامين 2017 – 2018 هو تزايد الطلب على القروض من «المؤسسة العامة للإسكان» و«مصرف الإسكان»، ما أدى إلى نفاد المبالغ التي خصصت لهذه القروض في شباط/فبراير من العام 2018، هذا التطور دفع مصرف لبنان إلى التدخل وإعلان وقف دعمه القروض، نتيجة ملاحظاته التي سجلها على المصارف التي منحت هذه القروض، ما أدّى إلى خلق جدل داخلي واسع حول المخالفات التي قامت بها هذه المصارف، وفي هذا الإطار يقول الخبير الاقتصادي غازي وزنة «في غياب السلطات المالية إضطر مصرف لبنان للمساهمة في قروض الإسكان، لأسباب عدة أولها أنها عامل مساعد على النمو الاقتصادي وثانياً لأنه يحرك القطاع العقاري، وثالثاً لأنه كان يملك فائض سيولة عند المصارف يمكن إستعمالها، ورأينا أن إجمالي القروض الإسكانية في السنوات الأخيرة وبحسب الأرقام التي تم تداولها، هي 13 مليار دولار موزعة تقريباً على 132 ألف وحدة سكنية، وهذه القروض كانت تمنح تحت إشراف المصرف المركزي، إلى أن وصلنا إلى يوم أعلمت فيه السلطات النقدية في لبنان السلطات السياسية والمالية، أن هذا الدور يجب أن تضطلع به السلطات المالية في لبنان، من هنا نرى أنه في شباط العام 2018 بدأت تظهر المشاكل الفعلية لقروض الإسكان خاصة للطبقة المتوسطة والمحدودة الدخل، وعبر المؤسسة العامة للإسكان وذلك لأسباب متعددة، السبب الاول هو تزايد قروض الإسكان بشكل كبير جداً بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب التي أقرت في تشرين الاول/أكتوبر 2017، والسبب الثاني هو أنه حصل سوء إستعمال للقروض الإسكانية من قبل بعض المصارف، بحيث أعطيت هذه القروض لفئات وأشخاص ليسوا بحاجة لها فعلياً وتم تحويلها من الليرة اللبنانية إلى الدولار، ما أدى إلى إستنزاف في بداية 2018 تقريباً حوالي 500 مليون دولار وهذا مؤشر سلبي وخطر بالنسبة لمصرف لبنان، لأن مهمة المصرف المركزي في الدرجة الأولى هي حماية الاستقرار النقدي في لبنان، وثانياً لناحية التضخم وثالثاً دوره في النمو الاقتصادي، ما يعني أن بدء تهديد الإستقرار النقدي في مصرف لبنان أدى إلى أخذ القرار بوقف القروض الإسكانية، خصوصاً أن سياسة الإسكان هي من مهمة الحكومة وليس السلطة النقدية».

يضيف: «سياسة الحكومة عادة تترجم عبر الموازنات العامة، ولبنان بقي من دون موازنة لنحو 13 عاماً، مما إضطر مصرف لبنان وخاصة بعد الأزمة المالية العالمية (حيث توسع دور المصارف المركزية في العالم لتحفيز النمو الاقتصادي بدءاً من الولايات المتحدة الأميركية في 2008، إنتقالاً إلى الاتحاد الأوروبي الذي إضطر إلى تبني هذه الخطوات في السنوات اللاحقة)، ولبنان كان سبَّاقاً في هذا الأمر لا سيما في غياب السياسات الإسكانية للحكومات، فكان عليه أن يلعب دوراً إقتصادياً وهذا ما حصل، وإضطر إلى التوقف عن ذلك عندما إستعادت الحكومة دورها، من الطبيعي في فترة 2010 أن تعطى قروض لغير أصحابها لأنه في ذلك العام مصرف لبنان لم يحدد سقفاً للقروض، بل كانت هذه المهمة موكلة للمصارف بالتفاهم والتلاعب مع بعض المستثمرين، وفي العام 2013 وضع حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة سقف القرض الممنوح حتى مبلغ 800 ألف دولار، أما اليوم فالمؤسسة العامة للإسكان تأخذ جزءاً من قروض الإسكان، فإجمالي القروض هو 132 ألفاً والقروض المخصصة للمؤسسة العامة للإسكان هي 56 ألفاً، أي يخصص لها نسبة 42 بالمئة من نسبة القروض، أما القروض الأخرى فهي لمصرف الإسكان ولقروض الإسكان التي تمنحها المصارف لعملائها، من هنا نرى أن التنظيم الذي يحصل اليوم يخص قروض المؤسسة العامة للإسكان، لأنها تطال شريحة متوسطي ومحدودي الدخل، ووقفها له تبعات إجتماعية وإقتصادية كبيرة جداً، ومصرف لبنان حين أوقف هذه القروض خلق أزمة سياسية وإجتماعية وإقتصادية في البلد، والكلام الحالي لا يدور عن القروض المخصصة لمصرف الإسكان أو قروض المصارف الأخرى بل عن إستعادة نشاط المؤسسة العامة للإسكان، أما الملفات التي ظهرت فيها شوائب فكانت بحسب ما كتب وظهر، فكانت محدودة أقل من 4 بالألف أي 450 قرضاً أي أقل من 50 مليون دولار، من هنا لا يمكننا أن نعيب هذه الخطوات بسبب الشوائب التي حصلت، فهذه القروض كانت عاملاً مساعداً للقطاع العقاري والنمو الاقتصادي ومن نواحٍ متعددة وتم تنظيمها، خصوصاً أن سيولة المصارف في العام 2018 تختلف عن سيولتها في العام 2010، ففي ذلك العام سجلت المصارف نمواً يقدر بـ8 بالمئة في حين أنه في العام 2018 لم يتعدَّ النمو 4 بالمئة، من هنا نرى أنه لاسباب إجتماعية وسياسية وإقتصادية ومالية سيتم معالجة القروض الخاصة بالمؤسسة العامة للإسكان، لأن هناك ضمانات بأن لا يتكرر الذي حصل فمصرف لبنان شكَّل لجنة للتحقيق، وأظهرت التقارير أن هناك بعض الشوائب المحدودة التي يمكن إيقافها، خصوصاً أن جزءاً منها تم من إحتياطي المصارف وجزءاً يسيراً من الدعم الآتي من مصرف لبنان. اليوم في عامي 2018 – 2019 مصرف لبنان يملك جهوزية لأن يلعب دوره في القروض المدعومة، ولكن ضمن ضوابط وذلك عبر المؤسسة العامة للإسكان، وضمن أطر منظمة بشكل واضح».

يشوعي: لا نفتقر إلى القوانين بل علينا تطبيقها

من جهته يناقش الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي ما حصل من زاوية أخرى، فمن حيث المبدأ يلفت إلى أن «لا براهين على حصول مخالفات من قبل المصارف خلال منحها القروض للمستفيدين، لأن الشروط غالباً ما تكون واضحة وتحتسب الدخل الأسري والأجر الفردي والعمر والغاية من القرض، وهذه الأمور كلها لها قواعد لا يمكن تجاوزها، ولكن هناك من يقول إن ميسورين حصلوا على القروض وهذا نوع من المخالفة، لكن لا براهين على ذلك ولا ملفات نافرة على هذا الصعيد».

ويضيف: «لبنان لا يفتقر إلى قوانين وأنظمة لتنظيم الأمور المالية ومنها ما يتعلق بشروط منح قروض، فهذه القوانين موجودة وما نحتاج إليه هو تطبيقها والعمل فيها، هناك لجنة رقابة على المصارف، لكن للأسف كل مراقب يحتاج إلى مراقب فوقه لتبيان مدى دقة عمله، كما أن أجهزة التفتيش المركزية وأجهزة الرقابة لا سلطة لها، ولجنة الرقابة على المصارف لديها نوع من الاستقلالية وتعد هيئة رقابية على السياسة النقدية في لبنان بحيث يمكن لها التدقيق بأعمال أي مصرف في لبنان ورفع تقاريرها إلى مصرف لبنان».

 

الضمانات

والسؤال الذي يُطرح هو ما هي الضمانات لعدم تكرار ما حصل، وفي حال بقي الوضع على ما هو عليه خلال العام المقبل، ما هي مفاعيل ذلك إجتماعياً وإقتصادياً؟

يجيب وزنة بالقول: «إذا أردنا أن نكون واقعيين الحكومة أقرت إقتراح قانون، بدعم القروض بمبلغ مليار دولار على أن تدخل من ضمن موازنة العام 2018 وفتح إعتمادات إضافية، وبرأيي القانون جيد وإيجابي دستورياً لكنه غير قابل للتنفيذ لأسباب عدة، الأول أن هناك 3 تحديات تواجهه التحدي الأول هو نسبة الفائدة التي ستوضع، ويمكن القول إنه يمكن إستعمال الفائدة بمفعول رجعي وتبلغ 10 بالمئة على أن يحذف منها 5 بالمئة، التحدي الأكبر هو بضمان إستمرارية هذا الدعم من قبل الحكومة، (فالدعم قدره 100 مليار) من ضمن الموازنة العامة للدولة والجميع يعرف أنها سنوية، والسؤال هو ما هي الضمانات أن تخصص مبالغ أيضاً للقروض في موازنة السنوات القادمة؟ خصوصاً أن مدة القروض طويلة، من هنا يعتبر القطاع المصرفي أن ليس هناك ضمانة بديمومة وإستمرارية هذه القروض المدعومة عبر الموازنة العامة، والتحدي الآخر هو تعميم مصرف لبنان الذي يحدد التسليفات بالليرة اللبنانية بنسبة 25 بالمئة ودائع بالليرة وهذا عائق يمكن أن يعالج، الفائدة ومحدودية الفائدة تعالج لكن ضمان إستمرارية القروض من الصعب معالجتها، لأن المصارف سترفضه رفضاً كلياً والحل لا يكون إلا من خلال حوار يقوم بين المصارف ومصرف لبنان والحكومة، للتوصل إلى ضمانة لإستمرار القروض يكون محورها مصرف لبنان، ويتم التنسيق في هذا الإطار عندها نكون قد دخلنا بالمسار السليم والصحي، لإستعادة الحكومة دورها في القروض المدعومة».

حلول مقترحة

في المقابل يعرض يشوعي لوجهة نظره في حل مأزق القروض، فيقول: «أنا ضد تمليك كل الشباب اللبناني شققاً، وأنا مع فتح باب الإيجار، ففي كل بلدان العالم هناك توازن بين سوق الإيجار وسوق التملك وهذا التوازن مطلوب ليسمح لليد العاملة الانتقال من مكان إلى آخر، بحسب فرص العمل التي تتاح لها في المناطق، وهذا الأمر لا يكون متاحاً حين يكون صاحب الصنعة متملكاً لشقة ما بل مستأجراً لأنه يكون أكثر قدرة على الانتقال، إمتلاك شقة يعني تثبيت اليد العاملة في مكان واحد، وأنا أدعو إلى سوق إيجار متطور بأسعار مناسبة بحيث لا يعود هناك صعوبة لأي أحد في الانتقال من منطقة إلى أخرى، لأن التملك هو ضد مبدأ المرونة».

يضيف: «في لبنان هناك سوقان للإيجار، الأول قديم والثاني وضع في العام 1992 وهذا أمر غير طبيعي، لا يمكن أن تخضع الخدمة الواحدة لأنظمة مختلفة، يجب توحيد سوق الإيجار بطريقة سلسة وتعزيزه ليخف لدى اللبنانيين الرغبة بالتملك، وأنا أستغرب إلغاء وزارة الإسكان والتعاونيات التي يجب أن يكون لها سلطة وصاية على المؤسسة العامة للإسكان ومصرف الإسكان وتهتم ببناء مساكن للإيجار، كما أن الحد الأدنى للأجور يجب أن يلحظ أن يكون ربعه للإيجار،لا يمكن الاستمرار في الاعتماد على الاقتصاد الريعي في لبنان، والمطلوب هو بناء إقتصاد حقيقي يؤمن إحتياطات خارجية، لأن الاقتصاد الريعي لا يؤمن إستقراراً نقدياً، في عام 2018 العجز سيكون هائلاً وأكبر من التوقعات ولا إنضباط مالي والأمور قاتمة، ولا علاج حقيقي لهذا الموضوع ولا نية لدى المسؤولين لذلك».

باسمة عطوي

 

روابط سريعة
مقالات الرئيس، اعضاء مجلس الإدارة و الامين العام
خدمات استشارية عالمية في متناول الجميع
مجلة الاتحاد - العدد 464 تموز / يوليو 2019