Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
القطاع المصرفي اللبناني: صمود رغم التحدِّيات
العدد 462

القطاع المصرفي اللبناني: صمود رغم التحدِّيات

موجودات المصارف اللبنانية تفوق قوة الاقتصاد

القطاع المصرفي اللبناني من أكبر القطاعات المصرفية العربية والدولية مقارنة بحجم الاقتصاد المحلي، لكنه واقع تحت ثقل التعرّض لتحدِّيات عدة بسبب الاضطرابات السياسية الداخلية والإقليمية والركود الاقتصادي الذي يعاني منه لبنان منذ بضع سنوات. وفي ما يلي دراسة أعدّتها إدارة الأبحاث والدراسات في الأمانة العامة لإتحاد المصارف العربية حول واقع هذا القطاع والمصاعب التي يواجهها:

هيكلية القطاع المصرفي اللبناني

يضم القطاع المصرفي اللبناني 63 مصرفاً موزعة بين 42 مصرفاً تجارياً تقليدياً، 16 مصرفاً للإستثمار والتسليف المتوسط والطويل الأجل (مصارف أعمال)، وخمسة مصارف إسلامية. وبالنسبة لملكية تلك المصارف، فإلى جانب المصارف ذات المساهمة اللبنانية الأكثرية (45 مصرفاً)، يضم القطاع 8 مصارف ذات مساهمة عربية أكثرية، و7 مصارف عربية، و3 مصارف أجنبية. وبلغ عدد موظفي المصارف العاملة في لبنان 26,005 موظفين بنهاية العام 2017، 47.8 % منهم إناث و52.2 % ذكور.

وبحسب جمعية مصارف لبنان، بلغت شبكة فروع المصارف العاملة في لبنان 1,078 فرعاً داخلياً في نهاية العام 2017. كما طوّرت المصارف اللبنانية شبكة إنتشار خارجي واسعة عبر تواجد 18 مصرفاً لبنانياً لديها 345 وحدة مصرفية في 32 بلداً و90 مدينة في الخارج، منها: 20 مكتباً تمثيلياً لـ11 مصرفاً لبنانياً، 71 فرعاً مباشراً لـ12 مصرفاً لبنانياً، 274 فرعاً لـ37 مصرفاً تابعة/شقيقة/شريكة لـ12 مصرفاً لبنانياً. كما تتعامل المصارف في لبنان مع أكثر من 242 مصرفاً مراسلاً في 65 بلداً و88 مدينة حول العالم.

يضم الجدول رقم 1 لائحة بالمصارف العاملة في لبنان ونوعها.

جدول 1: لائحة المصارف العاملة في لبنان

 

أكبر 10 مجموعات مصرفية لبنانية

يبيِّن الجدول رقم 2 البيانات المالية الأساسية لأكبر 10 مجموعات مصرفية لبنانية خلال عامي 2017 و2018. وتجدرالإشارة إلى دخول 9 من هذه المصارف العشرة في لائحة أكبر 1000 مصرف في العالم بحسب الشريحة الأولى لرأس المال (Tier1capital)، التي أصدرتها مجلة The Banker في شهر تموز/يوليو 2018، حيث بلغ مجموع الشريحة الأولى لرأس المال (رأس المال الأساسي( للمصارف اللبنانية ضمن اللائحة نحو 15.1 مليار دولار بنهاية العام 2017. كما نُشير إلى دخول كل من بنك عوده وبنك لبنان والمهجر ضمن قائمة أفضل 500 علامة تجارية مصرفية في العالم لعام 2019. وبلغ مجموع قيمة العلامات التجارية في المصرفين حوالي 509 ملايين دولار، والرسملة السوقية لهما نحو 4 مليار دولار. وحصل بنك عوده على لقب العلامة التجارية المصرفية الأعلى قيمة في لبنان لعام 2019، كما احتل المرتبة الـ33 عربياً، والـ393 عالمياً، متقدماً بمرتبة واحدة عن العام 2018، بقيمة علامته التجارية البالغة 284 مليون دولار. وتلاه بنك لبنان والمهجر في المرتبة الثانية محلياً، والـ41 عربياً، والـ460 عالمياً بقيمة علامته التجارية البالغة 225 مليون دولار.

وتجدر الإشارة إلى إستكمال بنك سوسيته جنرال في لبنان عمليّة استحواذ كلّ من مصرف ريشيليو فرنسا سابقاً

(KBL Richelieu BanquePrivée)، ومصرف ريشيليو موناكو سابقاًً (KBL Monaco Private Bankers) وشركة ريشيليوجيستيون سابقاً (KBL Richelieu Gestion)، وذلك بعدما حصلت هذه العمليّة على موافقة السلطات التنظيميّة المختصّة، لا سيّما مصرف لبنان والبنك المركزي الأوروبي وسلطة الرقابة التحوّطيّة والمعالجة لدى البنك المركزي الفرنسي(Autoritéde ContrôlePrudentiel et de Résolution – ACPR).

تطور بيانات وأداء القطاع المصرفي اللبناني

بلغ حجم الموجودات المجمعة للقطاع المصرفي اللبناني حوالي 249.5 مليار دولار بنهاية العام 2018، بزيادة 13.5 % عن نهاية العام 2017، وارتفع إلى 250.2 مليار دولار بنهاية شهر شباط/فيراير 2019 بزيادة 0.3 %.

كما بلغت الودائع حوالي 177.5 مليار دولار بنهاية العام 2018، بزيادة 2.8 % عن نهاية العام 2017، لكنها إنخفضت بنسبة 1.3 % لتصل إلى 175.2 مليار دولار بنهاية شهر شباط/فبراير 2019. وتجدر الإشارة إلى نمو ودائع غير المقيمين بنسبة 7.3 % خلال العام 2018، مقابل نمو بلغ 1.7 % فقط في ودائع القطاع الخاص المقيم، وتراجع بنسبة 0.6 % في ودائع القطاع العام، الأمر الذي يظهر أهمية الودائع الوافدة من اللبنانيين في الخارج في حفظ النمو الإيجابي لمؤشر إجمالي الودائع رغم محدوديته. أما خلال العام 2019، فانخفضت ودائع غير المقيمين بنسبة 2.8 % وودائع القطاع الخاص المقيم بنسبة 1.0 % حتى نهاية شهر شباط/فبراير 2019. في المقابل، إرتفعت ودائع القطاع العام بنسبة 3.9 % خلال الفترة نفسها.

وبالنسبة لمصدر الودائع، فقد شكلت ودائع القطاع الخاص المقيم حوالي 76.5 % من مجمل الودائع بنهاية شهر شباط/فبراير 2019، وشكلت ودائع غير المقيمين نحو 20.9 % من إجمالي ودائع القطاع المصرفي اللبناني، بينما شكلت ودائع القطاع العام حوالي 2.5 %.

ضمن هذا الإطار، رأت وكالة «موديز» استمراراً في قدرة المصارف اللبنانية على جذب الودائع وخصوصاً من قبل المغتربين. وبالتوازي، من المرتقب أن يستمر جذب الودائع في ظل معدلات الفائدة المرتفعة التي تقدمها المصارف في ضوء العائدات الجيدة التي باتت تتقاضاها على توظيفاتها مع البنك المركزي. وأشادت «موديز» بقدرة المصارف على المحافظة على نمو الودائع حتى في أصعب الظروف، بحيث اقتصرت ردة فعل المودعين بتحويل أموالهم إلى الدولار الأميركي وليس سحبها. كما أوضحت الوكالة أن أي تباطؤ مستقبلي في تدفق الودائع تعوّض عنها الإحتياطات الكبيرة لدى مصرف لبنان، والتي تشكّل موجوداته بالعملات الأجنبية حصناً متيناً لحماية استقرار سعر صرف العملة الوطنية.

وبالنسبة للقروض المقدمة للقطاع العام والقطاع الخاص المقيم، فقد بلغت حوالي 85.4 مليار دولار بنهاية عامي 2017 و2018، وإنخفضت بنسبة 1.6 % لتصل إلى 84.0 مليار دولار بنهاية شباط/فبراير 2019 (خُصص نحو 60 % منها للقطاع الخاص المقيم و40 % للقطاع العام)، حيث تراجعت التسليفات المُقدمة للقطاع الخاص المُقيم بنسبة 2.6 % خلال أول شهرين من العام 2019، وتلك المقدمة للقطاع العام بنسبة 0.2 %.

ويزداد الحصول على تمويل محلي من ​المصارف​ اللبنانية صعوبة، فالقروض المصرفية للقطاع الخاص أصبحت تمثل نحو 110 % من إجمالي الناتج المحلي. وضمن هذا الإطار، توقع تقرير لوكالة موديز استقراراً في نمو التسليف المحلي قبل أن يزيد بشكل خجول، وذلك بفعل معدلات الفوائد المرتفعة والركود الإقتصادي. وتتوقع الوكالة زيادة في الطلب على الإقتراض في ضوء الرزمة التحفيزية التي خصصها مصرف لبنان للعام 2019، والبالغة قيمتها 1.1 مليار دولار.

وتجدر الإشارة إلى أن التراجع الذي يشهده لبنان في مستوى ثقة المستهلك، وتراجع ​السيولة​ لدى التجار، وإنخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، وجمود الحركة في ​القطاع العقاري​، إنعكس سلباً على القطاع المصرفي في العام 2018، ومن المتوقع أن تستمر هذه التداعيات السلبية خلال العام 2019.

وشهدت رؤوس أموال المصارف اللبنانية زيادة كبيرة خلال الفترة الماضية، ويعود ذلك إلى لجوء المصارف إلى تعزيز رساميلها الخاصة لتبقى ملتزمة بمعايير لجنة بازل ومصرف لبنان، المتعلّقة بنسب كفاية رأس المال، الأمر الذي ساهم في تعزيز القواعد الرأسمالية وملاءة المصارف اللبنانية وزيادة قدرتها على مواجهة المخاطر، حيث بلغت حقوق الملكية حوالي 20.2 مليار دولار بنهاية العام 2018، بزيادة 5.4 % عن نهاية العام 2017، و22.2 مليار دولار بنهاية شباط/فبراير 2019، بزيادة 9.9 % عن نهاية العام 2018.

وعلى أساس سنوي، ارتفعت نسبة دولرة الودائع في القطاع المصرفي إلى 70.09 % في نهاية شهر كانون الثاني/يناير 2019، مقابل 67.79 % خلال الفترة نفسها من العام 2018. كما بلغت نسبة دولرةالتسليفات 69.02 % في نهاية شهر كانون الثاني/يناير 2019، مقابل 68.12 % خلال الفترة نفسها من العام 2018. وشكلت التسليفات نسبة 32.02 % من إجمالي الودائع بنهاية كانون الثاني/يناير 2019 مقارنة بـ33.32 % بنهاية كانون الثاني/يناير 2018، مما يعكس إتجاه المصارف اللبنانية إلى تعزيز سيولتها والسعي إلى تخفيض مخاطر الإئتمان.

ولا يزال أداء القطاع المصرفي اللبناني يتأثر بالإضطرابات السياسية المحلية والإقليمية المستمرة والركود الإقتصادي السائد في البلاد. وعلى الرغم من جهود مصارف «ألفا» لخفض التكاليف، أدت الظروف التشغيلية الصعبة، بالإضافة إلى الإنكماش في محافظ الإقراض في العام الماضي والآثار السلبية لزيادات الضرائب المحلية، إلى تراجع بنسبة 5.5 % في صافي أرباحها المجمعة في عام 2018، ليصل إلى 2.27 مليار دولار مقابل 2.4 مليار دولار بنهاية العام 2017. وعليه، تراجع العائد على متوسط الموجودات في هذه المصارف إلى 0.91 % بنهاية العام 2018، كما إنخفض العائد على متوسط حقوق المساهمين إلى 10.31 %.

وبالنسبة لتوزيع التسليفات على القطاعات الإقتصادية الأساسية، فقد استحوذ قطاع التجارة والخدمات على 34.1 % من الإئتمان الممنوح من المصارف اللبنانية في نهاية شهر كانون الثاني/يناير 2019. أما حصة الأفراد أو القروض الشخصية من الإئتمان الممنوح فبلغت 30.4 % في الفترة نفسها، يليها قطاع البناء والمقاولات (16.0 %)، فقطاع الصناعة (11.0 %) بينما إستحوذ قطاع الوساطة المالية على 4.5 % من الإئتمان الممنوح، والزراعة على 1.1 %. أما بالنسبة للتوزيع المناطقي، فاستحوذت بيروت وضواحيها على 75.4 % من القروض والتسليفات المصرفية، يليها جبل لبنان (11.6 %)، فالجنوب (4.2 %) والشمال (4.3 %)، فالبقاع (3.1 %).

التوقعات المستقبلية للقطاع المصرفي اللبناني وأبرز تحدِّيات العام 2019

أصدرت وكالة التصنيف الدولية «موديز» تقريراً حول نظرتها المستقبلية للقطاع المصرفي اللبناني، علَّلت فيه نظرتها المستقبلية «المستقرة» للقطاع لفترة الـ12 إلى 18 شهراً المقبلة. وقد برَّرت الوكالة نظرتها المستقبلية المستقرة بتوقعاتها لتحسّن خجول في النمو الاقتصادي، وخصوصاً بعد تشكيل الحكومة الجديدة، والتي أنعشت المودعين والمستثمرين إلى حد ما، بالإضافة إلى ثقتها في قدرة المصارف على استقطاب ودائع كافية لتلبية الحاجات التمويلية للقطاعين العام والخاص. في المقابل لفتت «موديز» إلى أهمية بدء الحكومة بتنفيذ الإصلاحات الضرورية لتأمين مالية عامة مستدامة على الأمد الطويل وإعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني.

وعلى صعيد البيئة التشغيلية للمصارف اللبنانية، فلا تزال عرضة لتحدِّيات عديدة. فقد توقعت «موديز» أن تتسارع وتيرة النمو الاقتصادي الحقيقي في لبنان من 1.0 % في العام 2018 إلى 1.3 % في العام 2019، و1.5 % خلال العام 2020، لتبقى متواضعة رغم ذلك، إذ إن تداعيات الإصلاحات والمشاريع الإستثمارية تستغرق وقتاً لتتجلى. كما أن أي تدهور في الأوضاع السياسية المحلية أو في البيئة الجيوسياسية بشكل يعيق جدول تطبيق الإصلاحات المنشودة من شأنه أن يحدّ من مستويات الثقة، ويضعف النشاط الاقتصادي والمصرفي.

أما في ما يتعلق بالمخاطر المالية، فقد ذكرت «موديز» أن تعرّض المصارف الكبير والمتزايد للديون السيادية يُعتبر أحد المخاطر الرئيسية للمصارف، والتي يرتبط تصنيفها الائتماني ارتباطاً وثيقاً بالتصنيف السيادي للبنان. فتجدر الإشارة إلى أن التوظيفات في الأدوات السيادية شكلت 55 % من موجودات المصارف وسبعة أضعاف أموالها الخاصة الرئيسية (Tier 1 Capital) بنهاية العام 2018.

وعلى صعيد الملاءة، اعتبرت «موديز» أن نِسَب كفاية رأس المال لدى المصارف اللبنانية «متواضعة» في ظل تعرّض المصارف الكبير للديون السيادية والبيئة التشغيلية الصعبة. في المقابل، إن امتثال المصارف اللبنانية لمتطلبات بازل 3 يساهم في النظرة المستقبلية «المستقرة» لنِسَب كفاية رأس المال خلال فترة الـ12 إلى 18 شهراً المقبلة. أما لجهة الربحية، فقد ذكرت «موديز» أن المصارف اللبناينة ستكون تحت ضغط عوامل كثيرة مثل ارتفاع كلفة الودائع، ومحدودية فرص الأعمال الجديدة، وتزايد عبء تكوين المؤونة، إلا أن الهندسات المالية التي أطلقها مصرف لبنان ساهمت في دعم إيرادات المصارف. ومن المرتقب أن تؤدي عودة الإستقرار السياسي في البلاد إلى خفض معدلات الفائدة على الودائع.

ويُعتبر القطاع المصرفي اللبناني واحداً من أكبر القطاعات المصرفية العربية والدولية مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني، حيث تبلغ الأصول المجمعة للقطاع أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الإسمي للبنان، وتبلغ قاعدة الودائع، والتي تشمل ودائع القطاع الخاص المقيم وغير المقيم وودائع القطاع العام، حوالي ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. وفي ضوء التحدِّيات السياسية والإقتصادية التي يواجهها، نما الإقتصاد اللبناني بنسبة 0.25 % خلال عام 2018 (وفقاً لصندوق النقد الدولي) مقارنة بنمو في أصول القطاع المصرفي اللبناني بنسبة 13.5 %، ما يدل على قوة القطاع ومرونته وقدرته على مواجهة التحدِّيات الداخلية والخارجية. ويتبع القطاع المصرفي اللبناني نموذج أعمال محافظ، ويتم رصده بشكل جيد من حيث الإلتزام بالتشريعات المالية العالمية. كما تتمتع البنوك اللبنانية بنوعية جيدة من الأصول ونسب جيدة من السيولة.

من جهة أخرى، لا يزال القطاع المصرفي اللبناني معرضاً لمختلف التحدِّيات، أبرزها التباطؤ الإقتصادي والعقاري، فضلاً عن الزيادة في أسعار الفائدة، مما يؤثر على جودة الائتمان، ما قد يؤدي إلى زيادة القروض غير المنتظمة لدى المصارف اللبنانية. وتدفع المصارف اللبنانية حالياً أعلى معدلات فائدة على الودائع (بالليرة والدولار) منذ نحو تسع سنوات بهدف جذب الودائع في إجراء تحوّطي لأي تطور سلبي، حيث تسعى إلى رفع رؤوس أموالها في ظل حالة عدم الإستقرار السياسي، وإحتياجاتالإقتراض المرتفعة للحكومة، والحاجة إلى تحفيز النمو. من جهة أخرى، يؤكد مصرف لبنان على متانة ​القطاع المصرفي​ الذي يتمتّع برسملة مرتفعة وسيولة مرتفعة وتطبيق للمعايير الدولية المحاسبية والإمتثال للقوانين والتشريعات الدولية. كما يُؤكد كبار الإقتصاديين والمصرفيين على سلامة الوضع النقدي والمصرفي ومتانتهما على الرغم من التحدِّيات الإقتصادية القائمة، حيث يحافظ مصرف لبنان على إحتياطات بالعملات الأجنبية تتخطى 39 مليار دولار، الأمر الذي يمكِّنه من حماية التوازن في السوق في حال تردّي الأوضاع السياسية والإقتصادية في لبنان. ويبقى التحدِّي الرئيسي أمام المصارف اللبنانية في تركّز جزء كبير من إستثماراتها في الديون السيادية، حيث تستحوذ أدوات الدين السيادي على أكثر من 60 % من مجمل الموجودات في ميزانية المصارف، ما يدل على إنكشاف المصارف على المخاطر السيادية (Sovereign Exposure). وإذا إستمر الدين العام وعجز الموازنة في لبنان بالتفاقم خلال العام 2019، فقد تؤثّر الأزمة المالية على مستوى الثقة بسلامة القطاع المصرفي وإستدامة نموّه، حيث تقع المسؤولية بشكل كامل على القطاع المصرفي (مصرف لبنان و​المصارف التجارية) لتمويل عجز الموازنة الذي تجاوز 6 مليارات دولار بنهاية العام 2018، والدين العام الذي تخطى 85 مليار دولار.

الصيرفة الإسلامية في لبنان

تقتصر الصيرفة الإسلامية في لبنان على 5 مصارف إسلامية، ثلاثة منها ذات مساهمة عربية أكثرية (بنك البركة لبنان، والبنك الإسلامي اللبناني، وبيت التمويل العربي)، ومصرف واحد لبناني (بنك بلوم للتنمية)، ومصرف عربي (شركة مصرف البلاد الإسلامي للإستثمار والتمويل). بلغ حجم الأصول المصرفية الإسلامية في لبنان نحو 800 مليار دولار بنهاية العام 2017، أي ما يقارب 0.4 % من إجمالي الأصول المصرفية فقط.

وبلغ إجمالي الودائع في المصارف الإسلامية العاملة في لبنان نحو 535.3 مليون دولار بنهاية العام 2017، فيما بلغ حجم التمويلات المُقدمة نحو 172.2 مليون دولار. أما قاعدة رأس مال المصارف الإسلامية في لبنان، فبلغت حوالي 130.2 مليون دولار بنهاية العام 2017.

وتجدر الإشارة إلى أن القانون المنظّم لعمل المصارف الإسلامية في لبنان لا يسمح بوجود نوافذ للصيرفة الإسلامية تابعة لأي مصرف تقليدي، مما يُعيق توافر جميع أدوات التمويل الإسلامي في لبنان حيث تبقى المرابحة أكثر الأدوات استعمالاً في الوقت الراهن.

كما تواجه الصيرفة الإسلامية في لبنان عوائق عديدة تقف أمام تطورها أبرزها العوائق التشريعية، إذ إن القوانين الضريبية في لبنان لا تراعي الطبيعة التجارية للمصارف الإسلامية وتخضعها للعديد من الضرائب مثل نظام الضريبة على القيمة المضافة ورسوم التسجيل والطوابع المالية والإزدواج الضريبي. بالإضافة إلى عدم استفادتها من برامج دعم الفوائد وإلى العقبات الناجمة عن عدم إيجاد أدوات مالية ملائمة لتمويل الدولة على غرار سندات الخزينة مما يوثر على ربحية المصارف الإسلامية وعلى قدرتها التنافسية.

وقام مصرف لبنان خلال العام 2017، بتحدِّيد أنواع الودائع في المصارف الإسلامية وكيفية ارتباطها بنتائج العمليات أو بنتائج المصرف السنوية، كما تمّ إلغاء تعريف» حسابات الاستثمار المطلقة» و»حساباتالإستثمار المقيدة»، إضافةً إلى تحدِّيد النسب الواجب اقتطاعها لتكوين كل من «حساب احتياطي مخاطر الاستثمار» و»حساب احتياطي معدل الأرباح» وكيفية استعمال هذين الحسابين، مع الإفساح في المجال أمام المصارف الإسلامية لتوظيف هذه الإحتياطات لدى مصرف لبنان.

السياسة النقدية والإنجازات التي حقَّقها مصرف لبنان

تبقى الليرة اللبنانية ركيزة الثقة في الإقتصاد اللبناني والقطاع المصرفي والإستقرار المالي، ولا يزال مصرف لبنان ملتزماً كل الإلتزام بسياسته الهادفة إلى الحفاظ على الإستقرار النقدي وتثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي.

ويواصل مصرف لبنان إلتزامه بتوفير أسس النمو الإقتصاديوالإجتماعي المستدامين من خلال تحقيق الأهداف التالية: الحفاظ على إستقرار سعر الصرف ونسبة الفائدة، وحماية إستقرار القطاعين المالي والمصرفي، وتطوير الأسواق المالية، وتعزيز أنظمة الدفع وعمليات تحويل الأموال وإدارة السيولة، وتعزيز الشمول المالي، والوقاية من الجرائم الإلكترونية، وتبادل المعلومات الضريبية، وإستهداف التضخم، وصولاً إلى المساهمة في تأمين مصادر التمويل للدولة وإدارة الدين العام.

وعمل مصرف لبنان منذ أوائل التسعينات على رفع مستوى القطاع المصرفي اللبناني إلى مستوى نظائره في المراكز المالية العالمية، من خلال إلزام المصارف بتطبيق القوانين الدولية على مثال قانون فاتكا وغاتكا، وقانون العقوبات الأميركية، وقانون الإمتثال ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وغيرها من القوانين التي تُعتبر من الشروط الأساسية التي تفرضها البنوك المراسلة الغربية للقبول بالتعامل مع المصارف اللبنانية. كما أجبر مصرف لبنان المصارف اللبنانية بالإلتزام بالمعايير المالية الدولية وعلى رأسها معايير بازل (1، 2، و3) التي تهدف إلى زيادة رأس المال الذي يُعتبر

ضمانة لإمتصاص الخسائر وبالتالي ضمان ودائع العملاء. كما إلتزمت المصارف اللبنانية بمعايير IFRS 9 والتي تفرض فصل العائدات عن الأرباح بما يسمح للمصارف بزيادة رأسمالها الإقتصادي وبالتالي تحمّل التغيير النوعي في المخاطر. على صعيد آخر، فرض مصرف لبنان على المصارف سياسة إحترازية في إعطاء المصرف للقروض من خلال رفع الإحتياطي الإلزامي. ومن خلال سياسته الإحترازية، منع مصرف لبنان المصارف التجارية من الإستثمار في المُشتقات السامة التي كانت سبب الأزمة المالية العالمية عام 2008، وبالتالي حمى المصارف اللبنانية من التداعيات السلبية لهذه الأزمة. كما فرض مصرف لبنان على المصارف نسبة سيولة عالية تسمح لهم بهامش تحرّك في وجه أي عنصر مفاجئ في الأسواق، الأمر الذي سمح للمصارف التجارية بتلبية الطلبات على القروض ومواجهة تداعيات الأحداث الأمنية والسياسية على الصعيد النقدي. ونظّم مصرف لبنان طريقة عمل المصارف من خلال تعاميم ألزم المصارف تطبيقها، تتضمن شقاً تنظيمياً إدارياً مثل خلق وحدة المخاطر، ووحدة مكافحة تبييض الأموال، ووحدة التدقيق الداخلي، ووحدة الإمتثال، وغيرها. كما فرض مصرف لبنان العديد من التقارير الدورية الإلزامية على المصارف التي تُرسل إلى مصرف لبنان حيث تقوم لجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصة وهيئة الأسواق المالية بدراسة هذه التقارير بهدف الرقابة. ضمن هذا الإطار، زادت نسبة الثقة في القطاع المصرفي اللبناني من قبل المؤسسات الدولية والمُستثمرين والمودعين، مما جعل من لبنان مركزاً مالياً يُعتبر من أهم المراكز المالية في المنطقة والعالم، وأكثرها صلابة ومتانة.

الأمانة العامة لإتحاد المصارف العربية

إدارة الأبحاث والدراسات

روابط سريعة
مقالات الرئيس، اعضاء مجلس الإدارة و الامين العام
خدمات استشارية عالمية في متناول الجميع
مجلة الاتحاد - العدد 464 تموز / يوليو 2019