Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
الفارق بين الفوائد المصرفية المركزية:
العدد 463

الفارق بين الفوائد المصرفية المركزية:

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحاول اصطياد الحاكمين دراغيوباول

(عصفوران بحجر واحد) لوقف صعود الدولار.. فهل يستطيع؟؟

 

لم يتوقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومنذ أشهر طويلة عن انتقاد حاكم مصرف أميركا المركزي (الاحتياطي الفيدرالي) جيروم باول لعدم خفض الفائدة المركزية لمساعدة الولايات المتحدة على منافسة الصين في التبادلات التجارية، حيث بدأت الخلافات بين هذين البلدين منذ فترة والإجراءات الانتقامية تصاعدت بين الطرفين قبل عودة الهدوء نتيجة التفاهم على استئناف التفاوض، الأمر الذي يبعد احتمال قيام المركزي الاميركي بتخفيض محتمل للفائدة أواخر تموز يوليو 2019.

إن تدخل الرئيس الأميركي في قرارات السياسة النقدية الأميركية يطرح وبشكل جدي مسألة مدى احترام استقلالية هذه المؤسسة التي تأخذ على عاتقها تحديد المسار النقدي الذي يساهم في دعم الاقتصاد ومراقبة معدل التضخم ودعم البنوك والسهر على سياسة المصارف في البلاد ومساعدتها كأي بنك مركزي في العالم.

هذا التدخل الأميركي ليس الوحيد في العالم، فسبقه حالة مشابهة في أوروبا عندما تدخلت المفوضية الأوروبية وناشدت جان كلود تريشيه حاكم بنك أوروبا المركزي السابق خلال الأزمة المالية بين عامي 2009 و2012، أن يتصرف بشكل يتماشى مع رغبات الحكومات لمواكبة الأزمة بأقل أضرار ممكنة، وهذه المرة إن الجديد في الأمر هو أن الرئيس الأميركي لم يوفر حتى حاكم البنك الأوروبي المركزي في فرانكفورت ماريو دراغي وينتقده كيف يبقي على سياسة نقدية تساعد بنوك أوروبية وتبقي اليورو بمنأى عن الصعود، وبالتالي فإن الحاكم الأميركي لمركزي الولايات المتحدة لم يصغِ للرئيس الأميركي ولم يخفض الفائدة، وها هو الدولار يستفيد من هذه الأجواء ويتقلب صعوداً في أسواق العملات، الأمر الذي يشكّل غيظاً للرئيس الأميركي ويدفعه لإطلاق تصريحات حادة أحياناً ومن دون أي اعتبار للجهة التي ينتقدها.

مشكلة ترامب اليوم هي الصعود المتواصل ولو البسيط للدولار وما يشكله ذلك من حواجز للاقتصاد الأميركي أمام منافسيه الكبار وفي طليعتهم الصين. لكن الاقتصاد الأميركي تعافى بشكل متسارع بعد الخروج من أزمة العقارات ومعدلات التضخم تحت السيطرة ونسبة النمو تعافت وبسرعة وتدنت معدلات البطالة إلى مستويات تاريخية، فماذا يريد الرئيس ترامب أكثر من ذلك.

ويتشدّد ترامب في مطالبه لهذا وذاك، لدرجة أنه لم يخف هجومه الحاد على حاكم مصرف أميركا المركزي جيروم باول بتهديده بتغيير رتبته وهو الذي اختاره بنفسه خلفاً للحاكم السابق جانيت يلين التي حكمت المصرف في عهد أوباما بعد بن برنانكي، ومن بين مهام كل هؤلاء الحكام وكل حاكم في مصرف مركزي في العالم، الرئيسية حماية معدلات التضخم من الارتفاع فوق مستوى معين ومن الهبوط دون مستوى معين، وتتدخل تلك المصارف في الحالتين. وهذا ما حصل بالفعل في الولايات المتحدة الأميركية بعد أزمة العقارات، حيث تدنت الفائدة بقرار من حاكم المصرف على دفعات من فوق 5 في المئة تقريباً إلى الصفر على مدى سنوات قليلة، وكذلك الأمر حصل في البنك المركزي الأوروبي بعد إندلاع الأزمة، والهدف تنشيط عملية القروض للمستثمرين وللأفراد للمساهمة من جديد من خلال الاستثمار والاستهلاك في تنشيط العجلة الاقتصادية. ولكن الفارق أن الاقتصاد الأميركي كان أنشط من الأوروبي، فسارع البنك المركزي الأميركي وعاود رفع الأسعار ببطء منذ العام 2015 على عهد جانيت يلين وهبط معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياته في عقود.

وحلّ باول مكان يلين وواصل في رفع الفائدة لترتفع هذه الأخيرة على مدى ثلاث سنوات من صفر إلى 2.25 في المئة وحتى 2.5 في المئة، وما زال يملك مقومات لمواصلة رفع الفائدة، لكن أوقف الاحتياطي الفيدرالي حملته هذه نحو الارتفاع في أسعار الفائدة مع تنامي المخاوف من أن تباطؤاً اقتصادياً عالمياً وصراعات تجارية يؤثران على الاقتصاد الأميركي وليس مخاوف من داخل الاقتصاد الوطني.

فالرئيس دونالد ترامب وأمام تجاهل حاكم المصرف المركزي لتهديداته وتلميحات الأخير في الاشهر الماضية أنه ماضٍ في سياسة رفع الفوائد قبل التريث في ذلك الشهر الماضي، هدد بتبديل باول، وبهذا الخصوص فان القانون الأميركي هو الوحيد الذي يبت فيه طالما أن باول جاء لولاية مدتها أربع سنوات بدأت مطلع العام 2018. فقانون مجلس الاحتياطي الفيدرالي يسمح للرئيس الأميركي فقط بإعفاء حاكم الاحتياطي من منصبه إذا أخلّ بمهام وظيفته، ومعروف لدى المحاكم الأميركية أنه تاريخياً لم تفسر المحاكم ذلك على أنه يشمل الاختلافات في الآراء بشأن السياسة النقدية.

فالرئيس ترامب قال في أواخر الشهر المنصرم، إن مجلس الاحتياطي ذهب إلى أبعد مدى في زيادة أسعار الفائدة وتقليص حيازته من السندات، ويقصد بالأخيرة قرار البنك المركزي الأميركي التوقف عن سياسة التسيير الكمي التي اعتمدها لسنوات في عهد يلين في شراء سندات دين حكومية مقابل ضخ سيولة لدعم الاقتصاد، فالمصرف المركزي الأميركي توقف عن هذه السياسة العام الماضي، باعتبار أن الاقتصاد تحسّن، لكن الرئيس ترامب لم يرق له ذلك وكان يتمنى لو أن الأمر ما زال مستمراً.

وتجدر الإشارة إلى أن البنك المركزي الأوروبي اتبع السياسة نفسها وتوقف عنها مطلع هذا العام، عندما رأى أنه لم تعد ضرورة لذلك، علماً أن الاقتصاد الأوروبي ما زال يعاني ضغوطاً ومطبات مع اختلاف الاقتصادات في 19 دولة في منطقة اليورو.

وعلى خلاف البنك المركزي الأميركي أعلن حاكم مصرف أوروبا المركزي أنه مستعد لاستئناف سياسة دعم التيسير الكمي من جديد إذا لزم الأمر.

وباختلاف معدلات التضخم والفائدة المركزية بين أميركا ومنطقة اليورو نجد أن سعر الفائدة في البنك المركزي الأوروبي ما زال صفر في المئة في تمويل البنوك ومعدل ودائع تلك البنوك لدى البنك المركزي 0.4- في المئة معدل فائدة سلبي، وذلك لإرغام المصارف على الإقراض لتشجيع الاقتصاد بدلاً من إيداع القروض ودفع فائدة عليها بدلاً من تقاضي ثمنها وهي سياسة الفائدة السلبية التي لاقت رواجاً في الفترة الأخيرة في البنوك المركزية حول العالم وخاصة اليابان.

هذه السياسة أبقى عليها حاكم مصرف أوروبا المركزي ماريو دراغي الشهر الماضي في اجتماعه الأخير، وقال إن قراري قد يخدم على الأقل حتى منتصف عام 2020، وعندها سينظر في ما إذا كان من الضروري رفع الفائدة أم لا، معلِّلاً قراره بضغوطات تفرضها البريكست (خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد)، والتوترات التجارية بين أميركا والصين وتداعيات ذلك على حركة التجارة الأوروبية. فقرار دراغي هذا هو الثاني في شهرين، الأمر الذي لم يرق أيضاً للرئيس الأميركي ترامب واتهم دراغي بالتلاعب بمعدلات الصرف لصالح اليورو، حيث إن فارق الفائدة بين أميركا وأوروبا اليورو واضح ويؤثر إيجاباً على الدولار. ودراغي لم ينتظر طويلاً للرد على اتهامات ترامب له، وقال أثناء اجتماع اقتصادي هام في البرتغال الشهر الماضي: «إن البنك المركزي الأوروبي لا يهدف لتحديد معدل صرف ومهمتنا حماية استقرار الأسعار»، رافضاً تصريحات ترامب التي استهدفته شخصياً كرئيس للبنك الأوروبي المركزي.

إن الذي يجب أن يعرفه الرئيس الأميركي كسياسي أن هناك عوامل كثيرة اليوم قد تضغط على الدولار سلباً في حال تفاقمت ولن يعود فارق سعر الفائدة بين أميركا وأوروبا سبباً لتألق الدولار، فالتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط لا تقل أهمية عن توجه البنك المركزي الأميركي.

التهديد الأميركي لإيران ورد إيران على الولايات المتحدة كفيلان بغليان سعر النفط وعقوده، الأمر الذي يقلل من الإقبال على الدولار لمصلحة التعامل أكثر في عقود النفط والمضاربة عليها، ثانياً التوتر بين أميركا والصين قد يأخذ اتجاهات أخرى مثل خيار الصين التوجه نحو أسواق أخرى والتقليل من الاعتماد على الدولار في خطوة قد تشكل قصاصاً للإدارة الأميركية وسنداتها الدولية. ثالثاً نلاحظ منذ شهرين تقريباً، أي منذ أن اشتدت حماوة الخلاف الأميركي الإيراني حول النووي والتهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي لعبور النفط، وتأثير ذلك على نفط البلدان العربية المجاورة نلاحظ أن سعر أونصة الذهب عالمياً حقق ارتفاعاً بأكثر من 20 في المئة (13 في المئة فقط بين أيار/مايو وحزيران/يونيو 2019) ليصل سعر الأونصة إلى أعلى مستوى له منذ أعلى قمة سجلها عام 2013، وتخطى سعر الأونصة 1430 دولاراً أو 1260 يورو بالعملة الموحدة. إذاً المستثمر يبحث دائماً عن الاستثمار في الأصول الأكيدة في أوقات عدم الاستقرار العالمي أو الضعف الاقتصادي ومن بين هذه الأصول الدولار الأميركي، على الرغم من تألق الذهب، فلذلك وحتى إذا خفض البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامبقد لا يحصل على دولار أميركي ضعيف، بل قد يرتفع أكثر حتى ولو تراجعت الفائدة في ظل الأجواء التي تحدثنا عنها، فلن يفيده الهجوم على باولودراغي بل إن التهجّم على استقلالية البنوك المركزية أينما كانت ومن أي جهة، كان قد يزيد الطين بلّة، ويعقّد الأمور ويزيد من توتر أسواق المال العالمية ويعيدنا إلى السنوات القليلة الماضية، بعدما استطاعت أميركا تحديداً الخروج من عنق الزجاجة بفضل سياسة الاحتياطي الفيدرالي.

 

مازن حمود

محلل اقتصادي ومالي/باريس

روابط سريعة
مقالات الرئيس، اعضاء مجلس الإدارة و الامين العام
خدمات استشارية عالمية في متناول الجميع
مجلة الاتحاد - العدد 464 تموز / يوليو 2019
Forum