Follow us on FaceBook Follow us on Twitter Check our YouTube Channel
الحلقة الثانية من مسلسل بريكستBrexit)t) والخروج الصعب من الاتحاد الأوروبي
العدد 460

الحلقة الثانية من مسلسل بريكستBrexit)t)

والخروج الصعب من الاتحاد الأوروبي

بمعزل

عن المناكفات السياسية بين المفوضية الأوروبية وبريطانيا والاتفاقيات المقبولة تارة والمرفوضة تارة أخرى من قبل البريطانيين، وبمعزل عن تأجيل موعد الخروج الذي كان مقرراً في 29 آذار/مارس 2019 لأسابيع قليلة، نتناول في حلقة هذا العدد الأحجام الهائلة من الأصول المالية التي تنوي بنوك ومؤسسات تأمين وشركات إدارة أصول في بريطانيا تحويلها إلى خارج لندن بحسب معهد الإستشاراتEY في التدقيق بالحسابات، والذي وضع تقريراً فصلياً أواخر الشهر الماضي (Mars 2019) بهذا الشأن.

فبعدما تناولنا في الحلقة الأولى في العدد السابق من مجلة «إتحاد المصارف العربية» حول موضوع خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي نتيجة استفتاء شعبي في حزيران/يونيو 2016، وافقت بحسبه نسبة فاقت نصف الشعب البريطاني على الخروج من عضوية الإتحاد الأوروبي والعودة إلى الاستقلالية في القرارات، لكن ذلك كما رأينا، له ثمن بالنسبة لطرفي الحلف: الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ناهيك عن التداعيات المؤلمة.

ونبقى في الجانب المالي من قضية بريكست، حيث تنوي أطراف عديدة تعمل في الحقل المالي والإدارة والتأمين من الآن ولغاية التاريخ الذي ستخرج بموجبه بريطانيا رسمياً من عضوية الاتحاد، أن تقوم بتحويل ما يعادل 1.100 مليار يورو (ما يعادل 1000 مليار جنيه إسترليني) على شكل أصول ووضعها في بنوك وأسواق مالية خارج لندن، الأمر الذي يشكل ضربة موجعة لبريطانيا وللأسواق المالية الإنكليزية التي كانت تستفيد من هذه الكميات.

هذا الحجم (ألف مليار جنيه تقريباً) يعتبر قياسياً بالنسبة لحجم 8000 مليار جنيه عبارة عن إجمالي أصول القطاع المصرفي البريطاني، ومعهد EY المالي للتدقيق الحسابي في لندن لمس زيادة في حجم نوايا التحويل بلغت 25 في المئة قياساً لتقديرات سابقة بحسب تقارير كانون الثاني/يناير 2019.

التقرير الحديث للمعهد بتاريخ 20 آذار/مارس 2019 يتحدث عن 23 مؤسسة مالية أعلنت سلفاً نيتها تحويل الأصول المالية خارج العاصمة البريطانية، ونذكر منها 10 مصارف و8 شركات تأمين و5 شركات لإدارة الأصول أو الثروات، بنك باركليز (Barclays) وحده أعلن نيته تحويل قرابة 200 مليار يورو من أصوله المالية إلى دبلن (Dublin)، الأمر الذي يستوجب زيادة عدد العاملين هناك لإدارة هذه الأصول بنحو 300 موظف، وفي المقابل سيضطر البنك لصرف عدد مماثل من موظفيه في لندن، وهنا دخلنا في تداعيات التحويل المباشرة على سوق العمل قبل تداعياتها على سوق المصارف، حيث توقع تقرير معهد (Cabinet EY) نزوح 7000 وظيفة نتيجة نزوح 1000 مليار جنيه. وبدوره أعرب دويتشه بنك (Deutsche Bank) الألماني عن جلب حوالي 450 مليار يورو يوظفها في مدينة لندن المالية (La City) إلى فرانكفورت. اللافت أن أغلب الأموال والوظائف سيتم تحويلها إلى بلدان أوروبية أخرى في الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الصدد بلغ عدد الشركات العملاقة الناشطة في الخدمات المالية والتي قررت مغادرة لندن مع حصول الخروج الفعلي لبريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي 39 حالياً في ارتفاع قدره 30 في المئة خلال الثلاثة أشهر الأولى من العام 2019.

وبحسب الأرقام الحديثة والحسابات في الربح والخسارة نتيجة البريكست على مستوى الوظائف في الحقل المالي والبنوك قدرت (Cabinet EY) البريطانية في تقريرها أن عدد الوظائف التي ستغادر لندن للخارج بلغ 7000، ومن جملة هذا العدد هناك قرابة 2300 فرصة عمل في أوروبا مفتوحة للراغبين بالخروج من الحقل المالي في بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي في إطار البريكست ومن ضمنها 500 فرصة عمل ستخرج من العاصمة لندن. هذه الوظائف وفي أغلبها يتقاضى أصحابها رواتب عالية ستحرم الخزانة البريطانية من الدخل الذي كانت تشكله الضرائب على هذه المعاشات، وبالتالي ستنعم بها البلدان الأوروبية الموظفة لهذه اليد العاملة، حيث إن مدينة لندن وحدها ستخسر عائداً على الرواتب يقارب 700 مليون يورو.

وبحسب متابعة التطورات الاقتصادية والمالية لمسألة البريكست وبحسب الحرية في المعاملات المالية بين بلدان الاتحاد الأوروبي بناءً على الاتفاقيات تواصل الشركات المالية والمصرفية بوتيرة ثابتة وأحياناً متزايدة في تحويل أعمالها وأموالها بحسب الخريطة التي رسمتها منذ أشهر تحسباً لقرب موعد خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد، الموعد الذي يتأرجح بشأنه الطرفان نتيجة مواقف البرلمان البريطاني من الاتفاقيات التي تقترحها المفوضية الأوروبية والتواريخ التي يتم بالتالي تحديدها للخروج بحسب اتفاق بين الجهتين.

المفاجأة في التقرير الذي نشره معهد (Cabinet EY) أواخر الشهر الماضي أن دبلن (Dublin) هي الوجهة الرئيسية لنزوح الشركات ورؤوس الأموال من بريطانيا لتوظيفها هناك، حيث اختارتها 28 شركة مصرفية ومالية حتى الآن، فيما اختارت 18 شركة من هذا النوع العاصمة الفرنسية و19 شركة اختارت لوكسمبورغ و21 شركة اختارت فرانكفورت، يضاف إلى هذه العواصم الأوروبية أيضاً اختيار ست شركات مالية اللجوء إلى أمستردام وست شركات أخرى مدريد و5 شركات اختارت ميلانو والعدد نفسه اختار بروكسل. هذه الشركات ليست بالضرورة بريطانية الجنسية فهي شركات أوروبية بما فيها البريطانية وهناك شركات مالية ومصرفية أميركية ناهيك عن الشركات المماثلة العربية والصناديق السيادية الخليجية.

من الواضح أن المستفيد من نزوح هذه الشركات هي الجهات الأوروبية التي ستستقبلها على أراضيها وفي أسواقها المالية والمصرفية، وما زالت الساحات المالية الأوروبية تتلقى طلبيات استضافة للشركات الراغبة في مغادرة بريطانيا مع حصول البريكست الفعلي، لأنها إذا ظلت في بريطانيا فلن يكون بمقدورها الاستفادة من تسهيلات الاتحاد الأوروبي المصرفية والمالية والاستثمارية وستخضع هذه الشركات بالتالي بريطانية كانت أم من جنسية أخرى لشروط لندن الخاصة بعد الانفصال. ومن هنا تزداد الرغبات لدى الشركات العاملة في لندن ومن مختلف الجنسيات في مغادرة سوق لندن المالي، وحتى تاريخ شباط/فبراير الماضي كانت فرنسا في طليعة الوجهات التي تتلقى الطلبات ولا سيما طلبات شركات أميركية.

ومن الجانب الأميركي فقد قالت نائب رئيس Bank of America (BOA)A في مؤتمر انعقد في دبلن في شباط/فبراير 2019 أنه لا عودة عن قرار النزوح من سوق لندن المالية، هذا البنك الأميركي هو الأول في أميركا من ناحية الودائع والثاني في البلاد من حيث الرسملة السوقية (البورصة) ويشكل ما يعادل 280 مليار دولار من حجم السوق. وقرر (BOA) إعادة النظر في استراتيجيته في أوروبا نتيجة بريكست بهدف الحفاظ على عبوره بأمان إلى السوق الأوروبية الموحدة لأنه سيخسر هذه الميزة هو وغيره من البنوك غير الاوروبية لو ظل في لندن.

بنك (BOA) الذي يوظف 4500 شخص في العاصمة البريطانية يتخذ قراراته بناءً على سيناريو يقول بخروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق مع المفوضية الأوروبية أي بناءً على سيناريو كارثة، حيث ستكون الأمور مفتوحة على كافة الاحتمالات ولن تكون هناك فترة انتقالية للخروج الكلي من الاتحاد، ويخسر (BOA) جواز عبوره الأوروبي بين أعضاء الاتحاد كمؤسسة مالية معترف بها في دولة من دول الاتحاد الأوروبي، البنك الأميركي الشهير (BOA) اختار باريس لنقل حوالي 400 وظيفة إليها في إطار نزوح النشاط المالي الأميركي من بريطانيا إلى بلد أوروبي آخر ما زال ضمن العضوية، وهناك حوالي النصف جاؤوا إلى العاصمة الفرنسية أواخر الشهر الماضي ليعملوا في سوق المال وآخرين كوسطاء ماليين.

ومع ذلك، ولا شركة من الشركات التي قررت أو التي ما زالت تدرس إمكانية النزوح من بريطانيا إلى بلد أوروبي آخر تضمن معرفة إن كان هذا الأمر سيتم بدون مخاطر تأخذ في عين الاعتبار الظروف التي ستواكب هذه التطورات ومعرفة حجم تأثر زبائنها بالوضع الذي سيحدثه البريكست وتداعيات ذلك على مصالحهم وأحوالهم.

كل هذه العمليات من النزوح حصلت وما زالت هناك مشاريع لنزوح شركات أخرى قبل الوصول إلى وضع نهائي لمشهد البريكست، لأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مع اتفاق شيء وخروجها من دون اتفاق شيء آخر.

فإلى اللقاء في الحلقة القادمة من المسلسل.. إذا رأينا أن للموضوع تتمة.

مازن حمود

محلل اقتصادي ومالي/باريس

 

روابط سريعة
مقالات الرئيس، اعضاء مجلس الإدارة و الامين العام
خدمات استشارية عالمية في متناول الجميع
مجلة الاتحاد - العدد 464 تموز / يوليو 2019
Forum